الصين .. مخالب التنين في أنامل عراقية!

صورة الصين في أذهان العراقيين كانت الدولة التي تمثل تطلعات الشيوعية الحقيقية بعد أن انحرف الاتحاد السوفيتي وصار يهادن الغرب!


الجزّاع أراد أن يوصل رسالة ثقافية سياسية ليشبع فضول كثيرين أثارته فيهم نهضة هذا التنين العملاق


مرحلة قاسية من الاضطهاد والتفاوت الطبقي الحاد، ستجعل الشعب الصيني متقبلا للشيوعية

إذا جاز لي أن أجنّس كتاب "الصين .. مخالب التنين الناعمة" لمؤلفه د. طه الجزّاع فلن أتردد في تسميته "رواية سيرة دولة". نعم، فالدول لها سير كالبشر تماما، ومثلهم أيضا، تولد وتكبر وتتزوج وتطلق، وتمرض وتصحو، ولها خصومات وصداقات .. الخ .. والصين الدولة التي عاشت طويلا في عزلة خلف سورها الأسطوري، انطوت سيرتها على مواقف وحكايات وأفكار ورؤى وممارسات، ظلت غير معروفة للكثيرين في العالم، باستثناء المهتمين والطامعين ممن كانوا يرصدونها بأعين نهمة للانقضاض على ثرواتها والفوز بموقعها، وبالتأكيد أيضا بسوقها الكبيرة، حين كانت مجرد سوق لبضائع الآخرين ومرسى كبيرا لسفنهم التي قصدتها غزوا وتجارة!
لقد كانت صورة الصين في أذهان العراقيين، لاسيما في النصف الثاني من القرن الماضي، الدولة التي تمثل تطلعات الشيوعية (الحقيقية) بعد أن (انحرف) الاتحاد السوفيتي وصار يهادن الغرب! وقد كان من نتائج ذلك انقسام الحزب الشيوعي العراقي في ستينيات القرن الماضي بين السوفييت والصينيين، فالراديكاليون ممن أرادوا السلطة وظل يمنعهم عنها السوفييت لحسابات لم يعرفوا أسرارها، انحازوا للصين (الماوية) وتبنوا (الكفاح المسلح) وسيلة للوصول إلى السلطة، بينما بقي (المعتدلون) في المعسكر السوفييتي، وقد دفعنا ثمن هذا الانقسام، فالصين التي كان يصلنا منها، وقتذاك، وجهها العقائدي، وبشكل مقنن من خلال المجلة الشهيرة "بناء الصين"، غيّبت عنا الكثير من الصين الحضارية بثقافتها وواقعها الديموغرافي الخصب.   
حسب معلوماتي المتواضعة، أن أحدا من العرب لم يرصد سيرة الصين وتحولاتها المثيرة، في ثقافتها وسياستها، كما رصدها كتاب الجزّاع الذي أحاط بهذا المد البشري المتلاطم وبأسلوب جمع بين العمق والدقة والسلاسة في الطرح، بعيدا عن أي مؤثر عقائدي أو سياسي، إذ كثيرا ما وقف الأخير حائلا بين القارئ والكاتب، فغابت حقائق كثيرة ومهمة عن هذا البلد الذي أسهمت أمواج السياسة والصراعات العقائدية في تغييب الكثير عنه. 
الجزّاع بهذا الكتاب أراد أن يوصل رسالة ثقافية سياسية وبتجرد حقيقي، ليشبع فضول كثيرين أثارته فيهم نهضة هذا التنين العملاق الذي شغل العالم وأقلق الكبار فيه. لقد عاد المؤلف بنا إلى تاريخ الصين، قديمه وحديثه وصولا إلى المعاصر منه، ووقف عند محطات تاريخية مهمة لعبت دورا في حياة الشعب الصيني وأثرت في مزاجه ومن ثم في وجهته السياسية. 

الصين
ماو تسي تونغ

يتوقف الجزّاع عند مرحلة قاسية من الاضطهاد والتفاوت الطبقي الحاد، ستجعل الشعب الصيني متقبلا للشيوعية وشعارها في العدالة الاجتماعية، تحت ضغط هذا الإرث الثقيل. فالصين التي تتجاور فيها ثلاث فلسفات، التاوية والكونفوشية والبوذية، ارتدت أخيرا ثياب الماركسية اللينينية، وأسست لحضارتها الحديثة من تلك المرحلة التي رافقها جدل كبير وطويل، سواء على مستوى الممارسات الداخلية أو على علاقاتها الخارجية التي تداخل فيها البعد العقائدي بالواقعية السياسية، لاسيما مع الولايات المتحدة الأميركية، وقبل هذا مع الحليف اللدود، الاتحاد السوفييتي، الذي استبطن الصراع معه أبعادا أخرى، قومية مضمرة وتطلعا لزعامة العالم الشيوعي، وكان من نتائج ذلك، الطلاق الكبير بين الرفاق وتداعياته الكبيرة على الحركة الشيوعية في العالم بعد أن تبنت الصين الماوية (الكفاح المسلح)، خلافا لرؤية السوفييت أيام خروتشوف القائل بضرورة (التعايش السلمي) بعد تجربة الحرب العالمية الثانية التي كانت الصين تتحرك تحت ظلالها وتبحث عن نفسها بعيدا عن القرار الدولي الذي تحكم به الكبار ورسموا من خلاله خرائط سياسية وجيوسياسية، لا يعرفها الرفاق الصينيون، فاندفعوا خلف حماستهم العقائدية، لاسيما في كوريا حين دفعوا رفيقهم (كيم ايل سنغ) للتوجه جنوبا بقصد ضمه للشمال الشيوعي فتسببوا بحرب مرعبة انتهت كما بدأت (لا غالب ولا مغلوب) أو كما رسم الكبار الثلاثة (روزفلت وستالين وتشرشل) في القرم العام 1945 حين تقاسموا النفوذ في العالم  ووضعوا الخطوط الحمر التي لا ينبغي لأي منهم تجاوزها.
هذا الكتاب يصعب، بل يستحيل عرضه، لأنه زاخر بالمعلومات الموثقة وعن مصادر رصينة ومعروفة، بدا فيها الجهد البحثي للمؤلف واضحا، مثلما كانت دقته وذكاؤه واضحين وهو يلتقط المهم باستمرار ويضعه في سياق الفصل الذي يتوقف عنده، ليجعله خلفية للسرد الذي يأتي متدفقا ليشبع موضوعته ويضع القارئ أمام حقائق ومواقف وأحداث مرت بهذا البلد وأسهمت في صنع مستقبله، فبحكم ثقافة الجزّاع الفلسفية وخبرته أكاديميا وكاتبا وصحفيا متمرسا، كان يستشهد بالمدونة الثقافية التي رافقت الكتاب منذ البداية وتوزعت مناح مختلفة فيه، إذ ظل البعد الثقافي حاسما في سيرة هذا البلد الكبير، ولعب دورا في بنائه سياسيا أيضا، لذا ركز المؤلف عليه باستمرار وبذل جهدا كبيرا ليوضح اثره في سيرة السياسة الصينية والمزاج الشعبي الذي يستثمرها.
في بداية ثمانينيات القرن الماضي، قرأت كتاب "زعماء عرفتهم" للرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، نشرته على حلقات مجلة "المجلة"، وتوقفت عند الفصل الخاص بـ شو آن لاي رئيس وزراء الصين في عهد ماوتسي تونغ، وقد أعادني الجزّاع إلى تفاصيل ذكرها نيكسون عن لاي، وأضاف إليها تفاصيل أخرى حصلت في تلك الزيارة التاريخية التي جرت العام 1972 ووقف خلف ترتيبها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كيسنجر، وعدّت البداية الحقيقية لعلاقة استراتيجية بين البلدين، ربما فرضت نفسها لاحقا عليهما بعد أن بات تلاقيهما ضروريا لخدمة بلديهما والعالم، حيث أصبحا بثقل اقتصادي متوازن تقريبا ومؤثر في حياة البشرية كلها. 
لقد أبدى نيكسون انبهاره بقدرة الصينيين التفاوضية، بعد أن ظنوا أنهم (سيأكلونهم أكلا)! لتبدأ رحلة جديدة من علاقات اتسمت بالمد والجزر، قبل انتهاء الحرب الباردة وبعدها، فالتنافس هذه المرة ليس كما كان مع السوفييت، على زعامة العالم الشيوعي، بل على زعامة العالم الاقتصادي، ولكسر الأحادية القطبية التي تجلت بشكل غير مسبوق ومروع أيضا، مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ودخول العالم حقبة فوضوية مازالت تسحل بالعالم نحو منحدرات مخيفة.

الصين
الرئيس الصيني، شي جين بينج

لقد رصد الجزّاع سيرة الصين من خلال طروحات وأقوال فلاسفة ومفكرين ومتصينيين سحرتهم تلك البلاد الشاسعة وعادوا منها بغلّة مغرية من الكتابات والتصورات، أمثال هادي العلوي وجلال الحنفي وشخصيات عربية أخرى، وتوقف عند الواقع الديموغرافي لتلك البلاد وكيفية ضبط معادلته اجتماعيا وسياسيا وسط أمواج السياسة الصينية، بوهنها العام ومن ثم نهضتها تحت ظلال الراديكالية الماوية، ومن ثم اعتدالها السياسي وانعكاسه على واقعها الاجتماعي المتنوع، وقد عمد المؤلف أن يجعل لكل وقفة من وقفاته في ميادين التاريخ الصيني المتعددة، مرجعية تاريخية ينطلق منها وهو يتجول في سفر هذه البلاد، بدءا من حرب الأفيون الشهيرة ضد البريطانيين في القرن التاسع عشر، والتي عكست واقع الصين المفككة والهزيلة وما فرضته عليها تلك الحرب من استحقاقات قاسية وكبيرة، وصولا إلى نهضتها الأولى على يد الفيلسوف الثائر صين يات صين الذي أنهى حكم أسرة تشينج في العام 1912 وتأسيسه الجمهورية، ومن ثم الحرب بين القوميين (الكومنتانج) من أتباع هذا الزعيم المحبوب الذي رحل في العام 1925 وخلفه شيانج كاي شيك، وبين الشيوعيين، والتي مثلت بداية لتعاون ستراتيجي بينهم وبين السوفييت أيام ستالين، لاسيما في حرب منشوريا ضد اليابان التي انتهت بتحريرها في العام 1945 والتي لم يتوقف عندها المؤلف بما تستحق، كونها تمثل مرحلة مثيرة جدا من تاريخ الشعب الصيني، وصولا إلى انتصار الشيوعيين العام 1949 وطردهم القوميين (الكومنتانج) إلى جزيرة تايوان التي ستصبح المشكلة الأكبر التي مازالت تؤرق الصين الشيوعية إلى اليوم، بعد ان تسببت بحرمانها من حقها في المقعد الدائم بمجلس الامن الدولي طويلا. وانتهاء بمشتبكها السياسي الحالي ودورها الدولي المتعاظم على مختلف المستويات.
لقد كتب الدكتور عبدالحسين شعبان مقدمة مهمة للكتاب، إذ يرى أن الصين شهدت قطيعة ابستمولوجية (معرفية) مع التاريخ والفلسفة القديمة أيام الثورة الثقافية (أيام ماو تسي تونغ) وأن السياسة الجديدة تنطلق من تاريخ الفلسفة الصينية، وفلسفة التاريخ الصيني تعني تطليق مرحلة التزمت الأيديولوجي والشعارات اليسارية الرنانة، حيث لم تعد شعارات (الكفاح المسلح) و(الإمبريالية نمر من ورق) و(كل شيء ينبت من فوهة البندقية) هي السائدة دليلا على الثورية والزعم بامتلاك الحقيقة وادعاء الافضلية.
ويخلص الدكتور شعبان إلى ما معناه، أن قراءة الصين بوصفها تجربة حيّة تمثل ضرورة لتمثلها والإفادة منها، ونحن نرى أن هذا الجهد المعرفي يجب أن لا يبقى أسير المكتبات العامة بل يجب أن يدرّس في كليات العلوم السياسية، لما يمثله من لوحة بانورامية متكاملة للصين، تداخل فيها السياسي بالثقافي والتاريخي بالمعاصر، مع إطلالة إنسانية واسعة ساحت بينها قراءات المؤلف وهي تقطف الكثير من ثمار الرحّالة والباحثين والمهتمين، وهم يدونون مشاهداتهم عن هذا البلد العظيم. 
وقد كنت أتمنى على الجزّاع لو أنه اقتطع من وقته بضعة أسابيع ليتجول في الصين  كي يرصع بمشاهداته الشخصية، فصول هذا الكتاب المهم لكان قد أضاف إليه الكثير، لكن مع هذا يبقى ما دونه من مشاهدات الآخرين الثقاة جعلنا نشعر وكإننا نتجول بين ربوع الصين أو فوق سورها العظيم!
الكتاب صدر عن دار دجلة الأكاديمية، وجاء بـ 256 صفحة من القطع فوق المتوسط.