الطائر يثقب دائرة النجم الوحيد

محمد جبريل يمثل حالة متميزة بين المبدعين المصريين، بنشاطه الواسع والممتد والمتعدد الأوجه.


البحر والتاريخ يمثلان فضائيْن كبيريْن ينطلق منهما أغلب إبداع محمد جبريل


اتكاء محمد جبريل على البحر يمتاز باقتفاء الخصوصية

يمثل محمد جبريل، حالة متميزة بين المبدعين المصريين، بنشاطه الواسع والممتد والمتعدد الأوجه، من صحافة وممارسات ثقافية تتضمن الرعاية وإفساح المجال لمن يتوسم فيهم الموهبة، إلى النشاط الإبداعي الذي بدأ مع مجموعته القصصية الأولى  "تلك اللحظة "عام 1970 حتى وصلت كتبه إلى ما يتجاوز الـ 80 كتاباً تشمل مجموعات قصصية وكتب دراسات ومقالات وكتب سيرة ذاتية ونصوص، لكن إنجازه الأكبر ومشروع عمره، هو الإضافة لمنجز الرواية العربية، حيث يساهم بما يقترب من الـ 50 رواية حتى الآن.
ويمثل البحر والتاريخ فضائيْن كبيريْن ينطلق منهما أغلب إبداعه، لكن اتكاء محمد جبريل على البحر يمتاز باقتفاء الخصوصية، فنستطيع أن نمايز بينه وبين كتابات الراحل صالح مرسي مثلاً، وباقي الروائيين الذي استلهموا عالم البحر، هذا العالم الذي يكمن في الحد ما بين الواقعي والأسطوري. 
إن محمد جبريل لا يستلهم هذا العالم فقط، إنه يقدمه كمنطلق روائي مثلما يقدمه كبطل.. إن المكان، هو واحد من أهم كلمات السر في أعماله، والمكان عنده، يكون غالباً: الإسكندرية، تلك المدينة الكوزموبوليتانية متعددة الروافد، وخاصة حي بحري، الذي خلده في رباعيته المتميزة، رباعية بحري (أبوالعباس وياقوت العرش والبوصيري وعلي تمراز) التي عانق فيها مدينته الأثيرة وحيّه الخاص، بكل أبعادهما الشعبية والتاريخية، بكل صخبهما وهدوئهما البليغ، وكذلك بالبشر الموشومين بالوشم الخاص. 

novel
بنية معرفية هائلة عن المكان وعن البحر

وفي روايته "نجم وحيد في الأفق" يدلف محمد جبريل إلى عالمه الخاص، عبر بطل، يشبه أبطاله المطاردين دوماً، لكنه هذه المرة مطارد من نفسه، من ملله ومن روتين الحياة وتساؤلات الوجود الضاغطة والمتكررة، وصل البطل إلى أن ضاقت عليه الأرض ولم يعد يعتبر نفسه جزءاً من العالم المحيط، الذي لم يعد له به صلة، ولا شيء فيه يجذب انتباهه، ولا شهوة باتت تصحو في نفسه لأي أمر من أمور الدنيا، فكان رد الفعل الطبيعي، أن يحاول الهرب والانسحاب إلى الداخل، هذا الانسحاب الذي زاد من الأزمة حتى قاربت من الانفجار، الانفجار الذي يخرج به من نفسه ومن جلده ومن الكون الواسع / الضيق، ومما فشل في أن يعرفه ومما يعرفه ولم يعد يحسه.
عند هذا الحد كان لا بد أن يلجأ إلى من يتأكد من أنه يملك أكثر، يملك صلات ما ورائية أكبر من هذا الوجود المادي المحدود، دليل يعرف أكثر، ويملك شفافية تخترق الحجب وهو هنا: "الشيخ"، لكن هذا الدليل بمعرفته العميقة تلك، أراد أن يعود به مرة أخرى إلى المنطق المادي، ليكون هذا المنطق المتسق مع كون البطل لا يزال يرزح تحت أسر الواقع: منطلقه الطبيعي للخلاص. فيكون هذا المنطلق /الدليل الواقعي ويتجسد في شخصية "الكابتن" التي تعرف أكثر، أيضاً، لتساعده وترشده، لخلاصٍ، ترسم هي طريق الوصول إليه، طريقة "واقعية" للوصول إلى "ما لا يدرَك"، قارب، يصلح لأن يكون معبراً، بين حياتين ومستويين من مستويات الوجود: الطرف الآخر فيه، هو الجانب الروحي، الأسطوري، الذي يتنعم فيه الإنسان وينال، ما يرى أنه كان يرفل فيه من قبل، في بداية الخلق لكنهُ خسره.
يكون هذا الحل إذن، اكتمالاً لدائرة الحياة ودائرة وجود الإنسان وتاريخه، لكن من قال إن لرحلة الوعي بداية ونهاية؟ إن الملل يتجدد كلما اقترب الامتلاك، والتوق لتغيير وجه العملة، هو ديدن الوعي دائماً. حتى الموت، بالمفهوم الديني، ليس نهاية الرحلة، إنه معبر لرحلة أخرى، بقوانين أخرى، أكثر عمقاً.
إن الروائي يتساءل ضمنياً عبر الكتابة، عن ماهية الخلاص، وأين يكمن، وهل تمثل الجنة بالمفهوم الديني والأسطوري والشعبي نهاية لأحلام الإنسان على هذه الأرض. لكن الروائي يثبت قاعدة لا تتغير ولا تقبل التبديل، هي المكان، الإسكندرية وحي بحري، التي إن ابتعد عنه، حتى للبحث عن خلاصه، تنهشه النوستالجيا (الحنين)، إنه المكان الضاغط طول الوقت، المتغلغل في تكوينه ويجري منه مجرى الدم. 
يسبح النص في جو روحاني ينبع من المجاهدة، مجاهدة النفس والكون، رحلة صوفية توازي رحلة (المريد) إلى (الإشراق). هذا الجو يتعانق مع البحر، بكل تجلياته، حيث تسمع روحك صوت تلاطم أمواجه أو مجاهدات البحر لذاته، فيصير البحر"معادلاً" و"معبراً " للخلاص في آن معاً.
يزاوج الروائي بين مستويين لحياة الإنسان، المستوى الواقعي في حياة البطل الأولى، التي نراها ونحسها من لحم ودم، ثم المستوى الغرائبي أو الأسطوري، في الجزيرة. ثم يربط بينهما "بالحنين"، الحنين الذي يتحرك بين هذين المستويين. إن الإنسان يتوق دائماً للم شمل جزئيْ روحه معاً، ولكن هيهات.
المزاوجة تتم أيضاً عبر شخصيتي الشيخ والكابتن، الشيخ الذي يجسد البعد الإشراقي الصوفي والغيبي، والكابتن الذي هو علامة الطريق الواقعية، والرمزية في نفس الآن، بارتباطها بالبحر.
يرشد الشيخ ، أو صوت الماورائي، البطل إلى نجمه أو حلمه في الانعتاق من أسر المادية الضاغط، هذا النجم، الذي أعلن النص من قبل، في عنوانه أو لافتته الأولى، أنه وحيد في الأفق، بما يتوازى مع وحدة كل إنسان، حيث كلٌ له نَجْمُهْ، الذي لا يظهر إلا بعد المجاهدة والإخلاص في محاولة الخلاص، إنه حلم كل إنسان وأمله البعيد. وهنا تصل التجربة الروحية الإشراقية إلى بعد أو مستوى جديد تماماً، حيث يصل النص بهذه التجربة الروحية، إلى الجنة ذاتها، الواقعية/الرمزية. فلا يكتفي من التصوف بالوجد والتهويم. إنه يأخذ بيدك ويقول لك تذوق والمس. هذه هي الجنة، حيث يتعانق التصور الإسلامي الواقعي مع الأسطوري النابع من الأشواق والأحلام.  

novel
علامة الطريق الواقعية والرمزية 

إن النص يقدم تأكيداً مباشراً وغير مباشر لتغلغل الدين في وعي ولا وعي البشر، فحتى في أحلامهم العنيفة والمتجاوزة للسائد، في الخلاص من كل القيود، لا يتجاهلونه كطريق أو كحلم في الخلاص في حد ذاته، إنه يقول للبشر اصبروا، فهناك خلف برودة تلك الحياة وقسوتها يوتوبيا، فيها العدل والحرية وكذلك كل ما يشتهيه الإنسان ولا يصل إليه ولن يصل.
يقدم الروائي بنية معرفية هائلة عن المكان وعن البحر، حيث نرى مسحاً شاملاً لحي بحري، فلا يغفل مَعْلماً، معروفاً أو شعبياً إلا ويشير إليه، إنه يعلن انحيازه من خلال هذا الرصد الذي ينساب بسلاسة ودون افتعال، إنه يقدم أجزاء روحه عندما يقدم بنيات المكان: الشوارع والأسواق والميادين ثم الحواري والأزقة والطرق ثم الجوامع والقصور... الخ، بعدها يدهشنا ببنيته المعرفية الخارجة من البحر، فنفاجأ مرة أخرى بروحه تفرز كل ما يتعلق بالصيد والطيور وكأنما نستمع إلى حكيْ شيخ من شيوخ الصيادين؛ التفاصيل الدقيقة لصناعة المراكب ومواعيد وأسماء النَوّات وأنواع وأشكال الأسماك والصخور وأسلوب حديث أهل البحر، أو "السيم" الذي لا يعلمه غيرهم .. الخ.
كل هذا يختلف تماماً عن "موبي ديك" لملفيل أو "العجوز والبحر" لهمنجواي، مثلاً. كل هذا مصري وسكندري وشعبي تماماً، ينتمي لنا نحن خاصة بقدر انتمائه  للإنسان عامة.
يذكر أن رواية "نجم وحيد في الأفق" صدرت طبعتها الأولى عن "مكتبة مصر" عام 2001 . وقد حصل محمد جبريل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب هذا العام 2020 عن مجمل مؤلفاته.