"الطباخ" رحلة حسية في عالم المطبخ الأيورفيدي

رواية السويسري مارتين زوتر تنتمي إلى نوعٍ أدبي جديد على القاريء العربي هو "أدب روايات الطهي".
حبكات سردية تكشف أعماق هذا النشاط الإنساني الفريد: "الطهي"
التحدي الأصعب في هذه الرواية يكمن في كيفية نقل تلك الخبرة الحسية بالأساس إلى عالم الأدب

تنتمي رواية "الطباخ" للروائي السويسري مارتين زوتر، بترجمة عن الألمانية للمترجم سمير جريس، إلى نوعٍ أدبي جديد على القاريء العربي هو "أدب روايات الطهي"، وهي أعمال أدبية تقدم اللقاء المثالي بين عالمي الأدب والطهي، تتمحور تيماتها بشكل خاص حول خبرة الطهي والطعام، عبر حبكات سردية، لتكشف أعماق هذا النشاط الإنساني الفريد: "الطهي".
يكمن التحدي الأصعب في هذه الرواية التي صدرت ترجمتها أخيرا عن دار الكتب خان والمكتوبة عن عالم الطبخ، في كيفية نقل تلك الخبرة الحسية بالأساس إلى عالم الأدب، وتقديمها إلى القارئ عبر الكلمات. ينجح مارتين زوتر في "الطباخ" بجدارة في هذا التحدي. ويقدم رواية شديدة الجاذبية ومُحفزة للحواس، تستنفر قارئها للتورط فيها بكل كيانه، بتناول حساس لهموم ورغبات تلك الشخصية الفريدة: شخصية الطباخ. إنها تشكل خلطة استثنائية من المذاقات والروائح والأحاسيس، وحبكة مدروسة المقادير، تجمع الطعام والحب بالحرب والعنصرية والسياسة، لتقول الكثير عن طبائع البشر.
بطل هذه الرواية هو شاب من مجموعة التاميل في سريلانكا. مارافان، وهذا هو اسمه، نشأ وتربى في مطبخ الجدة، وهناك تعلم أصول الطهي، وأسرار المبطخ الأيورفيدي. استطاع مارافان أن يحقق حلمه بالعمل في أحد الفنادق الكبيرة، لكن الحرب الأهلية في سريلانكا دفعته إلى الهروب من بلده واللجوء إلى سويسرا. عبر عمله البسيط في أحد مطاعم زيورخ، يتعرف مارافان، ويتعرف القارئ، على عالم رجال الأعمال والصفقات وتجّار السلاح. ويا له من عالم مثير.

كسر فرعين، نما في كل منهما تسع أوراق، وعاد إلى المطبخ، ثم ألقى بهما في الزيت الساخن، وأضاف عودا من القرفة طوله عشرة سنتيمترات. شيئا فشيئا بدأ يشم أريجَ طفولته

"الطباخ" هي التعاون الرابع للمترجم سمير جريس مع الكتب خان، بعد ترجمتين هما: "حرفة القتل" للكاتب نوربرت جشتراين، و"السقوط" مختارات قصصية لفريدرش دورنمات، فضلًا عن كتابٍ نقدي بعنوان: "جونتر جراس: ومواجهة ماضٍ لا يمضي". يقول جريس إن هناك روايات تبدأ في قراءتها ولا تستطيع أن تتركها حتى تتمها. روايات تشدك، تأسرك، تمتلك القدرة على أن تدخلك إلى عالمها بسرعة، فإذا دخلت هذا العالم، لا تود الخروج منه دون أن تصل إلى نهاية القصة. رواية "الطباخ" من هذه الروايات الجذابة. ومارتين زوتر من الكتاب الذين يتقنون صنعتهم، ولهذا تحتل معظم رواياته رأس قائمة أفضل المبيعات في المنطقة الألمانية، ولهذا أيضا تحولت عديد من أعماله إلى أفلام سينمائية ناجحة.
ويضيف: يضفر زوتر في "الطباخ" ببراعة أكثر من خيط، ناسجا قماشة روائية جميلة ومشوقة. هذه القماشة تتعرض إلى أكثر من موضوع. الموضوع الإطار هو عالم الطبخ، وبالتحديد عالم المطبخ في جنوب شرق آسيا. زوتر يأخذ القارئ في رحلة حسية، يتعرف خلالها على المطبخ الأيورفيدي، وعلى الفلسفة الأيورفيدية؛ تلك الفلسفة التي ترى أن الأمراض تحدث في الجسم عندما يحدث خلل في التوازن بين العناصر الأساسية الثلاثة، وهي الهواء والنار والماء. نشأت الأيورفيدا في الهند وانتشرت في مناطق أخرى، وهي تعتمد في العلاج على استخدام الأعشاب الطبيعية والتدليك واليوجا؛ واستنادًا على هذه الفلسفة تستخدم الأعشاب والتوابل في المطبخ الأيورفيدي؛ لإحداث أثر معين، وينتشر الطب الأيورفيدي اليوم في الهند ونيبال وسريلانكا.
يذكر مارتين زوتر ولد في زيورخ عام 1948، وبدأ حياته العملية في مجال الدعاية والإعلان، قبل أن يتفرغ للكتابة الإبداعية عام 1991. له إسهامه في كتابة العمود الصحفي عبر عدة صحف منها: "ويلتووش" و"تاجيز- أنزايجر"، وجمع مقالاته للعمود في 9 كتب. قدم زوتر 14 رواية، و7 سيناريوهات سينمائية حازت جوائز مرموقة. من أعماله "عالم صغير" رواية عام 1997، "الجانب المعتم من القمر" رواية عام 2000، "صفقة مع الشيطان" رواية عام 2006. نشر روايته "الطباخ" في عام 2010، لتقتنص مكانها سريعًا على قائمة الروايات الأكثر مبيعًا، وتتحول في عام 2014 إلى فيلم سينمائي.
أما سمير جريس فهو كاتب ومترجم من أهم مترجمي الألمانية في مصر والعالم العربي. درس اللغة الألمانية وآدابها في جامعة القاهرة وجامعة ماينتس بألمانيا. قدم عددًا من أهم الأعمال الأدبية الألمانية إلى العربية، منها: "عازفة البيانو" للكاتبة إلفريده يلينك الحائزة على جائزة نوبل، "الكونتراباص" للكاتب باتريك زوسكيند، "الوعد" للكاتب فريدريش دورنمات، و"صداقة" للكاتب توماس برنهارد. حاز عدة جوائز منها: جائزة الترجمة الأدبية من معهد جوته بالقاهرة، والجائزة الأولى في ترجمة القصة من المجلس الأعلى للثقافة. صدر له عن دار الكتب خان: "جونتر جراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي" مقالات نقدية، "السقوط" من مختارات دورنمات النثرية.
مقطع من الرواية 

مُحفزة للحواس
رواية شديدة الجاذبية 

لم يكن الطهي مهنة مارافان فحسب. الطهي عشقه الكبير. حتى عندما كانت العائلة كلها ما زالت تعيش في كولومبو، كان يقضي معظم وقته في مطبخ نانجاي. كان كلا الوالدين يعملان في أحد الفنادق الكبيرة في المدينة، الأب في الاستقبال، والأم مشرفة على عمّال نظافة الغرف. أما الجدة فتهتم بالأطفال عندما لا يكونون في المدرسة. ولأن مارافان لم يكن يذهب إلى المدرسة بعد، كانت عمته الكبرى نانجاي تأخذه معها في بعض الأيام إلى العمل حتى تستطيع أختها إنجاز العمل المنزلي والمشتريات. في مطبخ المنزل الكبير كانت تعمل تحت إمرة نانجاي ست مساعدات. إحدى هؤلاء كان لديها دائما وقت لترعى شؤون الصغير. 
وهكذا كبر بين الطاسات والطناجر، والتوابل والأعشاب، والخضر والفواكه. كان يساعد في غسيل الأرز وتنقية العدس، وتقطيع جوز الهند إلى شرائح، وقطف أوراق الكزبرة؛ وفي عمر الثالثة سُمح له تحت إشراف العاملات في المطبخ بتقطيع الطماطم والبصل قطعا صغيرة.
في عمر غض استولى السحر على مارافان عندما رأى الخطوات التي تحوّل بعض المنتجات الخام العجفاء إلى شيء مختلف تماما، شيء لا يأكله الإنسان فحسب، ولا يشبعه ويغذيه فقط، بل قد يكون أيضا مصدرا للسعادة.
كان مارافان يمعن النظر، ويسجل في عقله المكونات والمقادير وطرق التحضير والخطوات. في عمر الخامسة كان بمقدوره أن يطبخ قوائم طعام بأكملها، وفي السادسة، قبل أن يذهب إلى المدرسة، تعلم الكتابة والقراءة لأنه لم يعد يستطيع أن يحتفظ في ذهنه بكل الوصفات.
لعلَه اعتبر دخول المدرسة مأساة كبيرة، أكبر من وفاة الوالدين التي حدثت بعد ذلك بقليل والتي لم يعرف تفاصيلها إلا بعد أن وصل إلى مرحلة البلوغ تقريبا. كان والداه متغيبين أغلب الوقت، ولذلك اعتقد أنهما ببساطة لم ينتقلا معه إلى "جفنا". كانت رحلة فوضوية إلى هناك، هكذا أحس، أما بيت أقاربه، حيث عاشوا في الفترة الأولى، فكان صغيرا ومكتظا. لم يكن عليه الذهاب إلى المدرسة، فكان يقضي أيامه في مطبخ نانجاي.
انبعث من الفرن بعض الدفء الذي سرى في جنبات غرفة المعيشة الصغيرة. نهض مارافان وسار إلى المطبخ. 
(...)
وضع مقلاة على أصغر عيون الموقد، وصبّ فيها بعضا من زيت جوز الهند، ثم فتح باب الشرفة. نوافذ المنازل أمامه كلها تقريبا غارقة في الظلام، أما الفناء الخلفي للمنزل الواقع أسفله فهادئ مهجور. لا تزال قطرات ثقيلة باردة تهطل من السماء. أغلق باب الشرفة تاركا فتحة صغيرة.
في حجرة نومه أشكال وألوان من الأصص وبداخلها شجيرات الكاري، وبكل شجيرة عصا من البامبوس، وكل واحدة في عمر مختلف. وصلت أكبر الشجيرات حتى إبطيه. كان قد حصل عليها شتلةً قبل عدة سنوات من أحد معارفه السريلانكيين. ومنها استزرع أشجارا كثُر عددها، فكان بين الحين والآخر يبيع واحدة وهو كاره، غير أنه لم يكن يجد مكانا لها في الشتاء. لا تقدر الشجيرات على مقاومة الشتاء، ولذلك لا يضعها مارافان في شرفة المطبخ إلا عندما يسود الدفء، أما في الشتاء فكان عليه أن يضعها في غرفة نومه تحت ضوء المصباح الخاص بالنباتات.
كسر فرعين، نما في كل منهما تسع أوراق، وعاد إلى المطبخ، ثم ألقى بهما في الزيت الساخن، وأضاف عودا من القرفة طوله عشرة سنتيمترات. شيئا فشيئا بدأ يشم أريجَ طفولته.