العدالة من منظور كوني في 'للقطط نصيب معلوم'
الفكرة الجوهرية في رواية "للقطط نصيب معلوم" للروائي طلال سيف تتمحور حول الإنسان في مواجهة القدر، والعدالة في مواجهة الفوضى، والروح في امتحان السلطة، أي حول تلك الجدلية العميقة التي تشكّل وجودنا كلّه. كيف نعيش في عالمٍ يبدو ظالماً، ومع ذلك نظلّ نؤمن بأنّ هناك عدلًا خفياً يسري في الكائنات، في الحيوان والنبات والجماد والإنسان على السواء.
إنّ الرواية وفي مستوياتها العديدة ليست حكاية عن قرية مصرية تحترق، ولا عن شيخ فقد أولاده وبهائمه، ولا عن نزاع على ميراث أو عمودية، بل هي في جوهرها رحلة في معرفة الله من خلال معرفة نصيب كل مخلوق في الوجود. فمنذ الصفحات الأولى، حين يقول السارد "أتى الهدهد بالخبر اليقين"، ندرك أنّ الرواية تُعلن انتماءها إلى تراث الحكمة النبوية والقصص القرآني، لكنها تُنزله في أرض مصرية طينية مكتظة بالأسى، لتقول إنّ "الخبر اليقين" ليس في السماء وحدها، بل في التجربة الإنسانية اليومية. فالهدهد هنا ليس طائراً بل رمز للحدس، والبطل مصطفى هو الإنسان الذي يفتّش عن معنى العدل وسط الخراب. الرواية كلّها تُبنى على هذا السؤال وهو كيف يُمكن للإنسان أن يكون عادلًا وهو محكومٌ بنظامٍ ظالمٍ من الداخل والخارج؟
في طريقه إلى الإجابة، يُحرق الكاتب العالم ثم يُعيد خلقه. الحريق الكبير الذي يلتهم دواوير القرية ليس مجرّد حادثٍ عابرٍ بل صورة للخراب الأخلاقي الذي يضرب القرى والمدن والمجتمعات حين تفقد بوصلة العدل. في النار يتساوى الجميع، الفلاح والبهيمة، الغني والفقير، الظالم والمظلوم. وهنا تنبثق الفكرة الجوهرية الأولى في الرواي بأن العدالة الكونية لا تفرّق بين الكائنات، لأنّ الله، في نظر النص، لا يعاقب ولا يُكافئ بالهوية بل بالفعل.
حين ينجو مصطفى من الحريق ويبدأ بناء الدار من جديد، يبدو كأنه يعيد بناء العالم، حجراً فوق حجرٍ، في فعلٍ يشبه الخلق الإلهي. لكنه يكتشف أنّ البناء المادي لا يكفي، وأنّ الدمار الحقيقي يسكن في النفوس، في الغضب، في الرغبة في الانتقام. وحين تأتي أمونة وهي المرأة التي تمثّل الحكمة الأرضية، فتقول له: "لن يكون هذا على امرأة حتى آتيك بحقك يا شقيق الروح"، نرى الفكرة الثانية تتجسّد في أنّ العدل لا يتحقّق بالثأر بل بالمحبة، وأنّ المرأة هي ضمير العدالة الذي يُعيد التوازن إلى العالم الذكوري العنيف.
من هنا، تتحوّل الرواية إلى تأملٍ في طبيعة السلطة. فالعمدة وأولاد سليمان والخواجة رموزٌ لعالمٍ قديمٍ يقوم على القهر والميراث والدم، لكن مصطفى هو الذي يصبح لاحقًا عمدةً رغمًا عنه، ويقدّم نموذجاً آخر للسلطة أي سلطة الزاهد. وهو الرجل الذي يحكم بالصمت، ويقود بالتسامح، ويهزم خصومه بعدم الدخول في لعبتهم. أما الفكرة الثالثة هي أنّ القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في ضبط الرغبة في السيطرة.
لكن الرواية لا تتوقف عند النقد الاجتماعي، بل تنفتح على رؤيةٍ أخرى القطط، التي ترد في العنوان وفي قلب الأحداث، تتحول من كائناتٍ هامشيةٍ إلى مركز الوعي. فحين يقول وارده: "نصيبك معلوم وللقطط نصيب معلوم"، لا يتحدث عن تقسيم غنائم بل عن قانونٍ كوني، يشبه ما قاله المتصوفة عن الأرزاق والأقدار وهو أن كلّ شيء في هذا الكون له نصيبه المرسوم، لا يزيد ولا ينقص، وأنّ العدل الإلهي لا يقاس بالمعيار البشري. القطط هنا هي رمز للغموض الإلهي، وللمعرفة التي تأتي من الحدس لا من الكتب، لأنها ترى ما لا نراه، وتعيش بين الإنسان والطبيعة بلا صراع. وعندما يذبح القرويون القطط ظنًّا منهم أنّها تحرس الكنوز، فإنهم في الحقيقة يذبحون رمز الحكمة، أي يكرّرون خطيئة الإنسان الأولى وهي قتل البراءة باسم الطمع.
الرواية تقول بوضوح إنّ الظلم يبدأ حين ينسى الإنسان أن الكائنات الأخرى تشاركه النصيب نفسه من الوجود. إنها تعيد تعريف العدالة من منظور كوني فالعدالة ليست توزيعاً للأموال، بل توازناً بين الكائنات. ولهذا، حين يتدخل المدير في نهاية الحكاية ليوقف فوضى الحفر ويخلع العمدة القديم ويمنح مصطفى العمودية، لا يكون ذلك مجرّد إجراء إداري، بل رمز لتبدّل النظام الكوني نفسه من سلطة القوة إلى سلطة الرحمة.
وفي كل ذلك، تظلّ اللغة أداة الكشف. الكاتب يكتب كما يتلو الوليّ أوراده، وكما يُنشد الصوفيّ أحواله. جملٌ طويلة تتنفس كالموج، وصورٌ تتكرر كالتسابيح. اللغة في الرواية ليست حيادية، بل مشبعة بروح الدعاء: "الحمد لله الذي يريد ستري من الفضيحة" هذه عبارة بسيطة لكنها تحمل المعنى العميق الذي يتكرر في النص أن الله لا يعاقب بالفضيحة بل بالستر، والستر هو شكلٌ من أشكال العدالة الإلهية.
ولأن اللغة نفسها تصبح صلاةً، فإنّ الرواية تتحوّل إلى نصّ صوفيّ حديث يدمج الواقعي بما هو تأملي فلسفي. مصطفى، الشيخ الفلاح، يشبه الحلاج في احتراقه، وكامو في عبثه، وزرادشت في حكمته المتأخرة. إنّه رجلٌ يبحث عن الله في الأرض، عن الحقيقة في العادي، عن المعنى في الفوضى. وفي اللحظة التي يُلقي فيها شباكه في النهر، يقول: "أرمي الغزل وأتمدد على وجه الماء، أعتدل وأغوص بكليّ"، نرى اكتمال الدائرة. من الطين إلى الماء، من النار إلى النور. الصيد هنا ليس رزقاً بل معرفة، والعودة إلى النهر ليست عودةً إلى الماضي بل إلى الأصل الكوني. وهنا تكتمل الفكرة الجوهرية الكبرى التي تنسج الرواية، بأن الإنسان لا يُطهَّر من الخطيئة إلا حين يعترف بنصيبه في الوجود، وحين يدرك أن كل كائنٍ، مهما بدا صغيراً، يحمل جزءاً من الحقيقة الكلية.
كلّ ما في النص يدور حول هذا الاكتشاف في أن العدالة ليست شأناً بشرياً بل كونيًّا، وأنّ الظلم الأكبر هو نسيان أن الله وزّع أنصبة النور والظلمة على جميع مخلوقاته. القطط، المجاذيب، النساء، الفلاحون، البهائم، كلّهم أدوات في ميزانٍ واحدٍ اسمه الرحمة. ومن هنا، يصبح عنوان الرواية بياناً فلسفياً مختصراً وهو "للقطط نصيب معلوم" أي أن لا أحد يُستثنى من دائرة الرحمة، لا بشرٌ ولا حيوان، وأنّ كلّ محاولةٍ لاحتكار العدالة أو النعمة تنتهي بالحريق.
إنّ جوهر الرواية إذاً هو هذا التحوّل من العدالة البشرية إلى العدالة الكونية، من القانون إلى الرحمة، من الحكم إلى الفهم. إنها تدعو الإنسان إلى أن يرى نفسه جزءاً من شبكة الوجود، لا مركزها، وأن يتخلّى عن وهم التفوّق الذي دمّر العالم. فالقطط التي عاشت على الهامش هي التي تنقذ البطل من الجنون، والنساء اللواتي حُجبن بالعمائم هنّ من أعدن إليه بصيرته، والمجاذيب الذين يُسخر منهم الناس هم من حفظوا سرّ الحياة حين احترق كل شيء.
في النهاية، يقف مصطفى في صلاته الأخيرة، بعد أن خسر وربح وتطهّر، ليقول بضمير العالم: إنّ العدالة ليست حلمًا بل طريقة في النظر إلى الكائنات. أن نرى في القط ما نراه في أنفسنا، وفي البهيمة ما نراه في أولادنا، وفي النار ما نراه في النور. هذه هي الرسالة التي تختم بها الرواية وهي رسالة الإنسان إلى نفسه قبل أن تكون رسالة الكاتب إلى القارئ بأن الخلاص لا يكون إلا بالرحمة، وأنّ من أراد أن يُنقَذ فعليه أن يفهم أن "لكل شيءٍ نصيباً معلوماً"، وأنّ هذا النصيب هو الذي يُبقي الكون قائماً، ويمنع العدالة من أن تموت.