العمائم بين القداسة والدمار .. إمبراطورية العمائم الاقتصادية في العراق مثالا

الاحتلال فتح الباب على مصراعيه أمام صعود العمائم السياسية، لا كمرجعية روحية ودينية، بل كقوة مالية ضخمة ودور سياسي أضخم.

لم يكن ارتداء العمامة في العراق يومًا عيبًا، خصوصًا في العهد البعثي "المنهار"، لكن بعضَها القليل كان يحمل هذا العيب كوسام فخر، وهي تشارك بفتاواها في اغتيال ثورة الرابع عشر من تموز، التي وباغتيالها فُتحت على بلدنا وشعبنا أبواب جهنم التي لم تُغلق إلى اليوم. بل على العكس، فالعمامة قبل الاحتلال الأمريكي للبلاد كانت رمزًا للتقوى ومنبرًا للوعظ. لكن حينما تتحول "العمامة" من منبر للوعظ إلى منصّة للسلطة والمال، علينا التساؤل، وهذا من حقنا، إن كان ما يحدث في بلدنا من جرائم ناتجًا عن تدين حقيقي أم تدين ظاهري كاذب، مستغِلًّا الدين في ظل غياب وعي شرائح واسعة من أبناء شعبنا نتيجة الحصار أو الحروب الخارجية والداخلية، ومنها الحرب الطائفية التي كان للعمامة عند الطائفتين دور كبير في اندلاعها.

الفرق بين العمامة في عهد البعث "المقبور" والعمامة ما بعد التاسع من نيسان 2003، تجذّر بشكل واضح وجلي. فالاحتلال فتح الباب على مصراعيه أمام صعود العمائم السياسية، لا كمرجعية روحية ودينية، بل كقوة مالية ضخمة ودور سياسي أضخم. وأصبح بعضها زعماء كارتلات مالية تسيطر على المشاريع الاستثمارية، والعقارات، والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، بل حتى الميليشيات.

ففي ظل غياب الدولة الحقيقية أو تواطئها، حصلت المؤسسات الدينية ـ كالوقفين السني والشيعي، والعتبات العلوية والحسينية والعباسية وعتبتي الكاظمية والعسكرية في سامراء وغيرها ـ على أراضٍ بالمجان تحت شعار "الوقف" أو "الخدمة الدينية"، لتقام عليها مشاريع تدرّ أرباحًا بمئات ملايين الدولارات سنويًا، أرباحًا صافية خالية من الضرائب! وليس هناك من يجرؤ على مراقبة هذه الأموال أو محاسبة أصحاب هذه الكارتلات، كون هذه الأموال محصّنة بالقداسة. وكل من ينتقد هذه "القداسة" يُعتبر ضد الدين والمذهب والمرجعية.

إنّ المستشفيات "الخيرية"، والجامعات، والمدارس الأهلية، والأسواق، والمولات، والفنادق، والمطاعم التابعة للعتبة الفلانية أو المؤسسة الدينية الفلانية، مسجّلة كـ"خدمة عامة" رغم أنها مشاريع ذات أرباح خيالية. فالمواطن لا يعرف شيئًا عن ميزانياتها في ظل غياب المحاسبة والشفافية. وهذا الأمر يمثل شكلًا من أشكال الاقتصاد الموازي الذي يسرق من الدولة، بعلمها وقبولها، بل وبتيسير أمورها!

لذا نرى الدولة اليوم مفلسة، فيما هذه العتبات والمؤسسات الدينية فاحشة الثراء، في الوقت الذي يعاني فيه المواطن العراقي من انقطاع يومي للكهرباء، وسوء التعليم، وتردي حال القطاع الصحي، وغيرها من المشاكل التي تعصف بالبلاد. بينما، وفي الجهة المقابلة، نرى نموًا بلا حدود لهذه الإمبراطوريات المالية، دون أن يسألها أحد: من أين لك هذا؟ ومن يسألها؟ الدولة والبرلمان، وهما من علينا سؤالهم: من أين لكم هذا؟ إن أصحاب هذه الكارتلات يمنعون الإعلام من الاقتراب من هذه المؤسسات، ويرهبون الناشطين، ويشيطنون كل دعوة لفصل الدين عن السياسة والمال.

لسنا ضد العمامة كرمز ديني، بل ضد استغلالها لقدسيتها في بناء إمبراطوريات مالية على أنقاض وطن مدمَّر ومنهوب. وعلى العراقيين، وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 القادم، أن يختاروا واحدًا من اثنين: إما دولة تُحكم من خلال القانون وفصل الدين عن المال والسياسة، أو البقاء أسرى قداسة كاذبة تُلبس المال والفساد والطائفية عباءة الدين.