"العنيدة والذئاب" .. دوي السرد .. دراما النذير

رواية صلاح شعير تمثل قاطرة سردية مثقلة بالدوال النفسية لرحلة ذاكرة روائية.


كأن أبواب الحب لا تفتح إلا بمزاليج المعاناة


الرواية تزخر بتحليل العفن الذي اجتاح ضمائر

بقلم: خالد جودة أحمد

مثلت رواية "العنيدة والذئاب" لكاتبها صلاح شعير في تقديري قاطرة سردية مثقلة بالدوال النفسية لرحلة ذاكرة روائية، مع طرقات سريعة لاهثة تنتقل بسرعة بين عدد كبير من ذري الأحداث الروائية التي مثل أزمات نفسية واجتماعية تعصف بالشخصية الروائية، وتعصف كذلك بالخلفية الاجتماعية للرواية، فمفردات العناوين الفرعية (التصدع والضياع / حافة الضياع / ...) نموذجًا، والدواهي الطاحنة، والسقوط الأخلاقي والوثوب الإيماني المتكرر، مثلت دويًا منذرًا لجذور مشكلات نفسية واجتماعية في أصول التربية، حيث التعبير (الإنسان ابن الطفل) تشكل عبر لمحات واقعية روائية معاصرة تشتبك وتستدعي لحظات مؤثرة وبانية للطبيعة النفسية التي شكلها عنوان الرواية الرئيس. 
وأعان على هذا الدوي راوٍ عليم (حكيم) يقوم بالشرح والتعليق وسوق الخلاصات الحكيمة الإرشادية نحو جودة الحياة، يقول – نموذجًا - في إيضاح مفهومي للمحبة بنطاقها الوسيع اللطيف، ص 147 بتصرف: "ولكن إذا كان الحب هو مفتاح العلاقة بين القلبين، سوف ينقلب الأمر رأسًا علي عقب، سوف تنمو العلاقة الإنسانية بين الأرواح لتزرع السعادة فوق الأرض، ويطفو المحبون (..) لا يتوقفون عن قطف الهناء من ثغر الزمان قطفًا، بالحب تثمر المشاعر أغصانًا للمودة فوق الدنيا".
وهذا التوجه لقرع صوت النذير لمشكلات اجتماعية ونفسية في أصول الإعداد التربوي، براويها العليم المهيمن علي مجتمع القص، أثمر الأسلوب البياني المجنح لغويًا، فالرواية سخية بلافتات بيانية، شكلت خطرات أسلوبية تقدم رؤي تحليلية حول الشخصية والمجتمع علي سواء. حيث تزخر الرواية بالملح البلاغي (البيانية)، وشواهدها كثيفة منثورة نقطف منها الأمثلة التالية: (فوق الآهات / القلوب الثمينة لا تباع ولا تشترى إلا بالمشاعر والأحاسيس / كأن أبواب الحب لا تفتح إلا بمزاليج المعاناة / يجد نفسه يبحر في عينيها العميقتين بلا مجاديف، فتضربه أمواج اللوعة الحارقة بمقارع الشوق الغليظة / ما أحلى هذا الخفقان اللذيذ، فالأحياء بدون حب طاهر كالموتي في القبور / ...).
    وتستعمل الرواية في قصديتها قاموسًا لغويًا نفسيًا، وتعبر صراحة أن الشخصية الروائية مصابة بالمرض النفسي، فنجد مفردات (اللاشعور / أطلال الطفولة / العناد وضدها الطاعة / روح ظمآنه / جوع داخلي / ....)، والمؤشر اللفظي المجازي معبرًا لسر الداء في قهر الطفل والتمييز بين الأبناء والقسوة غير المنطقية للتعامل مع براءة الطفل وغضباته. 
يقول المؤشر فورًا في مستهل الرواية ص 5: "لتجد نفسها فجأة بين وميض الذكريات، تبدل حالها لتهبط من آفاق الأحلام الوردية، فسمعت في الأعماق بعض الأصوات ممزوجة بالهواجس"، وفي لافتة معبرة ملخصة تصدح بقرع النذير للخطر الداهم في آفاق الأسرة، بتقديم المفهوم الناجز الأصيل ص 7: "الأمهات كالماء الزلال يقطرن الحنان في أرواح الأبناء فيترعرعوا في بحور الأمان وتمتد مدي الحياة"، فركن الرواية الركين يقوم علي نبش السوابق النفسية لتفسير السلوك الروائي الآني، وهذا المنهج النفسي يبحر في جذور غابة النفس الإنسانية.
هذا الإنجاز السريع بالأسلوب الشارح لعقدة الرواية وسرها الدفين، يعد سمة أسلوبية مستقرة للرواية، حيث يتابع القارئ ويلاحق الأحداث الغاضبة الكثيفة، ويجد الشخصيات الروائية المتعددة، لدرجة بزوغ العدد من هذه الشخصيات قبل خاتمة الرواية، مع تقديم تقارير ناجزة عن الشخوص الروائية فورًا بإيجاز، وربما لطبيعة الراوي الذي يريد إصابة الفائدة، وطبيعة الصدام والصراع الروائي، والعصر اللاهث الذي يعتصر الإنسانية، لكان في الإمكان بسط هذه الرواية في حجم يفوق صفحاتها الـ (165) صفحة بكثير.
وتشكلت ملامح الدوي السردي من فكرة الدراما باعتبارها (تعارض إرادات)، فكانت مفردة (المعركة) الفرعية – نموذجًا - في خاتمة الرواية، تمثل صخب الاشتباك بين طبيعة نفسية للفتاة المقهورة المتحدية، وطائفة من الذئاب الوضيعة في (طابور الغدر) بتعبير الرواية ص 150، يقول الراوي ص 157 بتصرف: "تأكدت أن من سرق منها الحياة هم الذئاب الذين دمروا حلمها في الأمومة (..) فمن سرق الوطن كمن سرق شرفها". 

لحظات مؤثرة
لمحات واقعية 

شخصية "ليلي" العنيدة حدية كثيفة الظلال النفسية، خصبة في التداول الروائي، فهي بتعبيرات الرواية المنثورة كثيرًا (مهرة جامحة / تحمل في شخصيتها تطرفًا في الخصال / فهي طيبة جدًا وشريرة جدًا، هي الصيف والشتاء / أخطر على نفسها من أي وباء / ...)، هذه المتناقضات شكلت الصراع الداخلي في الشخصية، بتعبير الرواية ص 11 (بسياج من حرير وأشواك)، ورسمت الشد والجذب في الصراع الخارجي مع طائفة ممن فاتهم تقدير الأنثي، وتفهم طبيعتها، والمرور كالنسيم الذي يهزم طبيعة التحدي المرير، مثل هذه الطائفة الأسرة القاسية في نقدها، والشائكة في حصارها، وأيضًا الحبيب والزوج الأول "ناجي" الذي لم يتفهم أن الصبر والرفق والتفهم للأنثي المقهورة يجلب سعادته التي قتلها بنفسه، فتجسدت مأساته ومأساة حبيبته، ليسقطا معًا تحت سنابك الحرمان والانحدار، حتى مرفأ الصداقة المنكسر مثلته ابنة الخالة "رجاء" والتي خانت ثقة صديقتها، والطائفة الأخرى "الذئاب" والذين قدمت لهم الرواية لوحات وصفية مختصرة منوعة وموضحة. 
واستعمل الراوي هذه التقارير الوصفية ليطرق بها شأن الخلفية الروائية المضفرة مع خطها الرئيس، وهو تقديم لمحات من مواضعات الفساد التي تفقد الوطن نماءه وحيويته، وتقوده حتمًا لمصيره الكريه، فالذئاب هي الثمار الخبيثة لتشوهات نفسية واقتصادية على سواء. 
وتزخر الرواية بتحليل هذا العفن الذي اجتاح ضمائر، نموذجًا ص37: "باتت وسيلة النجاح المادي في مساحة كبيرة من هذه المهن، تقترن بالتحايل على القانون لصالح الخارجين عليه"، وص 38: "أدركت منذ وقت مبكر أن فرص النجاح في عالم الزيف تقترن بالشذوذ عن قواعد الاعتدال"، وص 39: ".. أن عالم المادة قد طغى وتجبر، عندما قتل المشاعر وحولها إلى اموال سائلة". 
وتحليل فكرة تذئب "المادية" جهيرًا بالسرد، يقول الراوي النبيل ص 40: "... تلك المرحلة التي اختفت فيها معظم معاني الحب، وتقلصت منها لغة المشاعر، كانت المنازلة بين البشر، والزمن في هذه الفترة لا تتجاوز لقمة العيش، لقد ُهدم جزء من بنيان المجتمع بالجوع الكافر، وأني للسكاري أن يسمعوا منادي الحب في الوادي الذي ينزلق نحو حافة الموت، فالحي المريض ينعي الحي الفقير، ...".
وتعد شخصية "ليلي" شخصية فاعلة، وظلالها النفسية وجدل هذه الظلال في إطار دوي السرد، والدراما الغاضبة، أتاحت مساحات من التشغيل كان يمكن بسطها، لولا ما أوضحناه سابقًا من خط بياني حكيم، وراو عليم له طبيعة الطبيب النفسي الذي ينقب عن سر الداء، والمحقق البوليسي الذي يسعي لتوفير ملخصات للبيانات الروائية والتفاعلات الداخلية للقراء.