الفن كقدر لا يُغادر بسهولة

اعتزال مينا نورالدين رغم قصر تجربتها، كشف هشاشة الحلم الفني حين يصطدم بالتحديات وقسوة المنافسة وانتقادات مواقع التواصل الاجتماعي.

 بغداد ـ في السنوات الأخيرة، تحوّلت ظاهرة الاعتزال الفني إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الوسط الفني العربي، لا سيما مع تزايد إعلانات النجوم عن قرارات مفاجئة بمغادرة الساحة، يقابلها في كثير من الأحيان العودة بعد الاعتزال، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول ضغوط الشهرة، وتقلبات المهنة، وحدود العلاقة المعقّدة بين الفنان وذاته من جهة، وبينه وبين جمهوره من جهة أخرى.

وجاء أحدث إعلان من الممثلة العراقية مينا نورالدين عن اعتزالها مجال الفن نهائيًا صدمة واضحة لدى جمهورها ومتابعيها، خاصة أن مسيرتها الفنية لم تتجاوز عقدًا واحدًا، وكانت في مرحلة صعود نسبي.

 الممثلة العراقية الشابة أعلنت قرارها عبر خاصية “القصص القصيرة” على حسابها الرسمي في انستغرام، مؤكدة أن مشوارها الفني قد انتهى، بعبارة مقتضبة حملت الكثير من الدلالات: “اليوم انتهى مشواري الصغير بالوسط الفني”.

ويأتي هذا القرار في وقت كانت فيه مينا نور الدين تستعد لخوض تجربة درامية جديدة من خلال مسلسل “أساور”، من تأليف الكاتب محمد قاسم وإخراج يونس لطيف.

وكانت قد تحدثت في وقت سابق عن تفاصيل شخصيتها، مؤكدة أنها تجسد دور “بشرى”، الفتاة التي تعيش ضمن أسرة تعاني من ظروف معيشية قاسية، وتخوض صراعًا يوميًا مع أفراد عائلتها من أجل الاستمرار. وأشارت إلى أن هذا الدور يمثل لها تحديًا فنيًا مختلفًا، ويُعد نقلة نوعية في مسيرتها القصيرة، ما جعل قرار الاعتزال أكثر مفاجأة.

ورغم امتناعها عن ذكر الأسباب المباشرة وراء هذا القرار، فإن كلماتها الأخيرة على خاصية ستوري في انستغرام، "ما باليد حيلة، أعتقد قدري موجود بعيد عن حلمي بالفن"، فتحت باب التأويل على مصراعيه.

هل يتعلق الأمر بضغوط نفسية؟ أم بخيبات مهنية؟ أم بصدام مع واقع صناعة الدراما؟ أسئلة كثيرة طُرحت دون إجابات واضحة، وهو ما يعكس طبيعة هذه الظاهرة التي غالبًا ما تأتي بلا مقدمات.

وكون الاعتزال الفني في كثير من الأحيان نتيجة صدام قاسٍ بين حلم البدايات وواقع المهنة، فالدخول إلى الوسط الفني يرتبط عادة بصورة مثالية عن الشهرة والنجاح والقبول الجماهيري، لكن الواقع يكشف عن تنافس حاد، وضغوط نفسية مستمرة، وأحيانًا غياب الاستقرار المادي أو التقدير المعنوي.

في حالة مينا نورالدين، يرى متابعون أن قرارها قد يعكس خيبة أمل مبكرة، خاصة في بيئة فنية تعاني من قلة الإنتاج، أو محدودية الأدوار، أو تفضيل أسماء معينة. كما لا يمكن إغفال العامل النفسي، إذ باتت وسائل التواصل الاجتماعي سيفًا ذا حدين، تمنح الفنان انتشارًا واسعًا، لكنها في المقابل تعرّضه لنقد قاسٍ ومقارنات مستمرة قد تؤثر في استقراره النفسي.

ولا تقتصر ظاهرة الاعتزال على بلد أو جيل بعينه، بل تمتد عبر خريطة الفن العربي، فقد شهدت السنوات الماضية اعتزال عدد من الفنانات في أوج شهرتهن، بعضهن لأسباب دينية، وأخريات بدعوى التفرغ للأسرة أو الابتعاد عن الأضواء، بينما اختارت بعضهن الانسحاب احتجاجًا على تراجع مستوى الأعمال أو تحوّل الفن إلى صناعة تجارية بحتة.

من بين أبرز الأسماء التي أثارت الجدل في هذا السياق، فنانات اعتزلن ثم عدن إلى الساحة بعد سنوات من الغياب.

وأعلنت ممثلات عربيات شهيرات اعتزالهن في فترات مختلفة، قبل أن يعدن مجددًا إلى الشاشة، مثل فنانات فضّلن الابتعاد لفترة بحثًا عن الاستقرار أو السلام النفسي، ثم اكتشفن أن الفن جزء لا يتجزأ من هويتهن. هذه العودة غالبًا ما أعادت إشعال النقاش حول مدى جدية قرارات الاعتزال، وحول قدرة الفنان على الانفصال الحقيقي عن شغفه الأول.

في مقابل الاعتزال، تبرز ظاهرة العودة بعد الاعتزال بوصفها الوجه الآخر للعملة. فكثير من النجمات اللواتي أعلنّ انسحابهن النهائي عدن بعد سنوات، وأحيانًا بعد أشهر قليلة، ما جعل الجمهور يشكك في نهائية هذه القرارات. غير أن هذه العودة غالبًا ما تكون نتيجة الحنين إلى الفن، أو إدراك أن الابتعاد لم يحقق السلام الداخلي المتوقع.

فالفن بالنسبة لكثير من الفنانين ليس مجرد مهنة، بل هو هوية وطريقة حياة. كما أن تغيّر الظروف الشخصية، أو تلقي عرض فني قوي، أو نجاح تجربة زميلات عدن بعد الاعتزال، قد يشجع الفنانة على كسر قرارها السابق. بعض العائدات فضّلن الظهور بشروط جديدة، مثل اختيار أدوار محددة أو تقليل الظهور الإعلامي، بينما عدن أخريات بقوة وحققن نجاحًا لافتًا فاق ما قدمنه قبل الاعتزال.

في المقابل، هناك من عاد ولم يجد الصدى المتوقع، ليكتشف أن الساحة تغيّرت، وأن الجمهور سريع النسيان، وأن العودة قد تكون أحيانًا أكثر صعوبة من الاستمرار. فزمن الغياب قد يخلق فجوة يصعب ردمها، خاصة في وسط فني يتبدل بسرعة.

تُظهر ظاهرتا الاعتزال والعودة حجم التناقض في العلاقة بين الفنان والجمهور. فالجمهور يطالب الفنان بالاستمرار والعطاء، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه ضغطًا كبيرًا من النقد والمساءلة والتوقعات العالية. وعندما يعتزل الفنان، يُتهم بالهروب أو نكران الجميل، وإذا عاد، يُتهم بعدم الثبات أو البحث عن الأضواء.