الفيسبوك يُهدر أم يعلي من قيمة الفكر والإبداع؟

إبراهيم طارق يؤكد أن الفيسبوك أضرّ بالفكر والأدب والإبداع، في ضوء اعتماده على الثقافة الشعبية وتراجع تأثير النخبة وأصحاب الفكر.


نشأة ثقافة جديدة تبتعد عن الإبداع الحقيقي


تأثير سلبي للمواقع على مفردات اللغة ومن ثم الإبداع والثقافة


شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت شيئا أساسياً في حياة الشعوب

القاهرة ـ من أحمد مروان ومحمد رجب

بدأت مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت تؤسس لها مكانة خاصة لدى كل من يشارك ويهتم بالمتابعة، ومن أهم هذه المواقع: "الفيسبوك"، فمنذ أن تم تأسيسه على يد مارك زوكربيرغ، كفكرة تقوم على أساس التواصل الاجتماعي، ومع انتشاره توسّعت مجالاته ليشمل السياسة والاقتصاد، بل والثقافة والأدب، وأدى ذلك إلى نشأة ثقافة جديدة تبتعد عن الإبداع الحقيقي، وانحدر الأدب في قائمة أولويات واهتمامات شبكات التواصل الاجتماعي، وافتقد الرواد المعيار الحقيقي للأدب الأصيل، بل إن اللغة العربية تحولت إلى لغة ركيكة مختلطة بألفاظ أجنبية وأصبحت كلمات غريبة.
يقول د. إبراهيم طارق مستشار اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم عن تلك الظاهرة: إنني مندهش من انتشار المفردات المستخدمة في شبكات التواصل الاجتماعي واختلاطها بالحياة اليومية للشباب العربي، فهي تهدّد مصير اللغة العربية، وتلقي بظلال سلبية على ثقافة وسلوك الشباب العربي الأدبي والإبداعي وقيمة الكلمة والفكر.
وأؤكد أن الفيسبوك أضر بالفكر والأدب والإبداع، في ضوء اعتماده على الثقافة الشعبية وتراجع تأثير النخبة وأصحاب الفكر، وهو ما أثّر سلباً على قيمة الفكر والكلمة ومضمونها ودلالاتها، ولا أستطيع أن أصدق أن شبكات التواصل الاجتماعي ساعدت على نشر الثقافة والفكر، بل وطوّرت الأدب والإبداع من خلال الاختلاط بين الثقافات ومساحة الحرية الموجودة على صفحاتها فهذا لم يتم إطلاقا، بل أصبح هناك خليط غريب من لغة ممزقة لا أدري هل هي أجنبية أم عربية.
وبصدق نحن نعاني من كتابات الطلاب عن موضوعات عامة في التعبير، فلا تجد سوى نوع من الركاكة والأخطاء الإملائية. هذا بجانب إهدار أسس النحو والصرف في التعبير ولذلك لا يمكن أن نعتبر ما ينشر من كتابات يقال عنها أدبية بأنها إبداع أصيل، ومن الممكن أن تكون مقتبسة أو منقولة أو حتى سرقت من كاتبها الأصلي، ولذلك في البحوث والدراسات لا يعتبر الإنترنت مرجعا من المراجع إطلاقا، ويجب علينا وضع قيود على النشر على الإنترنت ليرتفع مستواه الأدبي والثقافي.
ويرى د. عبدالعزيز متولي أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة، أن تأثير الفيسبوك وشبكات التواصل الاجتماعي امتدّ إلى جميع مجالات الحياة، وقد شمل هذا التأثير الجانب الثقافي والإبداعي، والذي لحق به أضرار بانتشار تلك المواقع التي تعتمد على ثقافة العامة، وليس النخبة والمفكرين، وبالتالي فإن قيمة الفكر والكلمة ودلالاتها تراجعت واختلفت كثيراً في هذا العالم الافتراضي.
ويؤكد أن الفيسبوك من أكثر التهديدات خطورة على الهوية الثقافية والفكرية للشباب العربي، حيث أهدر قيمة الفكر والإبداع، وغيّر قيمة الكلمة ودلالاتها، كذلك حقوق المبدع والمفكر المعنوية والمادية، كما نال من القراءة والكتابة، وإن تلك المواقع أصبح لها لون جديد من الثقافة ولغة خاصة بها تمثّل تمرداً على النظام الاجتماعي والثقافي والفكري.
انهيار ثقافي
ويقول د. فؤاد السعيد الباحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة : اعتماد شبكات التواصل الاجتماعي على الثقافة العامة ونشرها دون وجود رقابة عليها، أثّر سلباً على الثقافة والفكر والإبداع الذين جاءوا في ذيل اهتمامات تلك المواقع بل وربما يحظون بقدر من الإهمال والتهكم، في ضوء تجاهل تام لثقافة النخبة التي من المفترض أن تكون الموجه والضابط للعامة وخطورة هذا كون أن غياب دور النخب وانتشار الثقافة الركيكة يقود إلى الفوضى الفكرية ومن ثم الانهيار الثقافي الأصيل.
ويوضح السعيد أن الفيسبوك له صلة وعلاقة قوية باللغة، التي ترتبط بشكل مباشر بالفكر والثقافة والأدب، فبانحدار اللغة تنحدر الثقافة والفكر والأدب والإبداع والعكس صحيح، وبالنظر إلى طبيعة اللغة المستخدمة في الحوار والمشاركة على شبكات التواصل، سيتضح حجم التأثير السلبي لتلك المواقع على مفردات اللغة ومن ثم الإبداع والثقافة، وأن مستوى الأداء اللغوي ضعيف مما يشكّل خطورة على قوة اللغة وحيويتها، ومن تدني المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت حيث لا تتجاوز مساهمة العرب 3 بالمائة مما ينتجه العالم، هذا بجانب أن أكثر من 50 بالمائة من سكان الوطن العربي لا يتقنون اللغة العربية بشكل جيد، مما يوجد الإشكاليات التي تحول دون الاندماج التام للغة العربية بالعصر الرقمي.
جانب إيجابي
ومن جانبها، تقول د. إجلال حلمي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس: إن لكل ابتكار إيجابيات وسلبيات، فمن أهم مميزات شبكات التواصل الاجتماعي أنها أصبحت أساسياً في حياة الشعوب، كونها انتشاراً للثقافة والمعرفة ونتعلم من خلالها الخبرة في فنون الحياة، كما أنّ شبكات التواصل ليست تطوراً للتكنولوجيا الرقمية فقط، بل هي تطوّر علمي وفكري وثقافي واجتماعي، وتعتبر هي والإنترنت المسئول الأول عن القفزة الهائلة في العلم والمعرفة والعلاقات الاجتماعية، فالفيسبوك وغيره ساعد على إنشاء علاقات بين الشباب وبعضهم تجاورت قاعدة الأصدقاء الفردية والمكان والزمان، فساعدت على انتشار الثقافات المختلفة وانتشار اللغات، مما أدى إلى الاختلاط الثقافي والفكري الموجود على شبكات التواصل قد طوّر القدرات الثقافية والإبداعية للشباب، وأثّر بشكل إيجابي على مستوى المعرفة والفكر لديهم.
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي قامت بدور إيجابي في نشر الفكر والإبداع، وهو ما نراه في وجود صفحات وحسابات لمفكرين وأدباء ومبدعين، يتجمع فيها جمهورهم ويتواصلون معهم، هذا بجانب دور تلك الشبكات في نشر الثقافة والمعرفة وتنمية الوعي لدى الشعوب، مشيرة إلى ضرورة أن يطوّر المفكر والمثقف من قدراته حتى يستطيع مواكبة التطور التكنولوجي، حتى يكون له مكان وتأثير في هذا العالم الجديد الذي فرض نفسه على كافة مجالات ونواحي الحياة، بما فيها الفكر والأدب والإبداع، ومواقع التواصل الاجتماعي وفّرت مساحات كبيرة من الحرية للرأي والفكر والإبداع، وهو ما جعلها عاملاً مساعداً على تطويره، على الرغم من وجود بعض السلبيات التي تتعلق بالعمل بدون ضوابط أخلاقية أو أدبية.
ويقول د. أحمد سليمان عبدالعظيم أستاذ النقد الأدبي والدراما بمعهد الفنون المسرحية بالقاهرة: من أهم سلبيات الأدب أو الثقافة التي تنشر على صفحات التواصل الاجتماعي أن معظمها سرقات أدبية بحيث يستطيع من يشاء أن يضع قصيدة لنزار قباني مثلا، ويكتب عليها اسمه، وقد شاهدت أمثلة كثيرة لتلك السرقات، وكذلك قد يقوم شخص ما بعرض بحث أو دراسة معينة ليست من إنتاجه أو إبداعه، ويضع عليها اسمه ولذلك لا أعترف بالكتابات التي تنشر على الفيسبوك أو الصفحات الأخرى. (خدمة وكالة الصحافة العربية)