الفيلسوف يستعيد طفولته في 'قدري الذي اخترت' لمحمد أبو هاشم محجوب
تثير كتابات السيرة الذاتية لدى الباحثين العديد من التساؤلات حول أدبيتها أحيانا وصدقها أخرى أو علاقتها بالذاكرة.. ولكننا مع سيرة محمد أبو هاشم محجوب "قدري الذي اخترت / حبر وألواح" (1) نواجه منذ البداية سؤالا مختلفا يطرحه صاحب السيرة نفسه، وهو الذي شغلته الفلسفة بحثا وكتابة، مجاله التعارض بين الفلسفة وكتابة السيرة الذاتية.. إذ كيف يمكن التحوّل من الفلسفة التي شكلت لسان الكاتب ومنهجه، والفكاك من قوانينها وقيودها، إلى "حكاية" تاريخ الوقائع، إعادة لبنائها وإحياء لذاكرتها؟
يحاول محمد أبو هاشم محجوب تجاوز الحرج الذي استشعره من هذا التعارض بين صفته من "متفلسفي هذا الزمان" وبين مشروع كتابة سيرته، وقد وفرت له الفلسفة ذاتها الجواب على سؤاله، إذ استعار منها مفهوما طريفا هو "شيخوخة الفلسفة"، وهي حسب دولوز ذاك الزمان الذي "تفيض فيه الملكات بعضها على بعض، فتدرس الحدود بينها وتعفو وتنطمس". هل ينتظر إذن قارئ كتاب "قدري الذي اخترت" انتفاء الحدود بين الأدب والفلسفة وتفاعل مختلف مجالات المعرفة؟ كيف سيستعيد الكاتب الفيلسوف وقائع الماضي الذي عاشه وخبره، وأيّ تفاعل سينشأ بين الذاكرة والتخييل، وبين المنطق ودفق المشاعر والأحاسيس؟ ثم ما هي دوافع كتابة السيرة الذاتية بعد بحوث فلسفية عديدة؟
1- بنية السيرة الذاتية / إعادة تشكيل الحياة:
تواجه قارئ "قدري الذي اخترت" في جزئه الأول (حبر وألواح) عتبات عديدة بعد العنوان منها الإهداء، مقدمة الشاعر محمد الغزي، تصدير دون عنوان، تصدير ثان "اعتراف الكتابة"، يلي ذلك عناوين فصول الكتاب الخمسة عشر، وقد توزعت زمنيا على مراحل الطفولة والصبا إلى بداية الشباب إثر التحول المكاني من القرية إلى العاصمة.
يمثل التصدير الأول ميثاقا سيرذاتيا واعترافا صريحا بانتماء النص إلى جنس السيرة الذاتية لا يعلن فيه الكاتب مبررات الكتابة أو دوافعها بقدر ما يكشف صعوبة الفصل بين الواقع والتخييل وحدود "الصدق" في سرد الأحداث: "هذه حكايتي.. لا أستطيع أن أؤكد أنها هكذا جرت، ولا أني استوفيت أحداثها ووقائعها، لكني أجزم أني هكذا عشتها".
في هذا الاعتراف تأكيد على ما تتركه الوقائع في نفس كاتب السيرة من الانفعالات والمشاعر تزدحم بها الذاكرة، وعلى فجوات في النص مقصودة أو بريئة، قد تكون مجرد صدى لثقوب الذاكرة.. في نفي واضح لموضوعية وهمية يقتضيها السرد التاريخي، أو تطابق منشود بين الواقع والكتابة ينشده المتلقي. والكاتب بذلك لا يختلف مع ما ذهبت إليه بعض الدراسات والبحوث التنظيرية حيث ترى جليلة الطريطر أن "الحدث السيرذاتي" يقوم على الانتقاء الوظيفي للحدث ليغدو "موضوع تأمل وتفحص في حدّ ذاته، وفي علاقته بسائر أحداث الحياة المتذكرة السابقة عليه واللاحقة له" (2). بل لعل أهم مقاييس انتقاء الحدث المروي في رأيها هو "مقياس شعوري صرف، قوامه إحساس قويّ بالألم". ولئن تأكدت هيمنة المشاعر في سيرة الكاتب فإن الأحداث التي تستحضرها الذاكرة لم تكن موصولة دائما بمشاعر الحزن والألم، بل إن عددا هاما منها قوامه الحنين والمحبة (حديثه عن المدرسة، عن الأصدقاء)، في حين اتسم البعض الآخر بالمرح والفكاهة تاركا في نفس الكاتب "رفيفا هازجا" (انظر مثلا ص 198).
تنهض بقية فصول الكتاب بإعادة تشكيل الوقائع التي عاشها الكاتب أو "إعادة بناء الحياة"، وقد تابع فيها محمد محجوب خيط المشاعر وأثرها في الذات أكثر من تاريخ الوقائع في تتابعها وتسلسلها. فانطلاقة السرد كانت من واقع قريب هو زيارة الكاتب سنة 2014 للجزائر وللمدرسة الخلدونية فيها، فإذا المكان قادح للذكرى، يعود معها الكاتب إلى بيت الطفولة في وطنه وبلدته (مساكن)، حيث شكلت قراءته مقدمة ابن خلدون في صغره بداية ارتحال في عالم الكتب والمعرفة. فإذا الصورة تستدعي الصورة، والمشهد يستدعي المشهد، لتتراكب الأحداث في خيط متين تنسجه الذاكرة، قوامه علاقة الطفل بالكتب وصدى مطالعاته في العائلة.
تنثال الوقائع في بقية الفصول على نفس النهج، يكاد الفصل يتمحّض لموضوع واحد أساسي تؤثثه الذكريات في نسق انسيابي... تخصص الفصول الأولى لسنوات الصبا والتعلم في الكتّاب ثم في المدرسة، لكنها لا تنتظم زمنيا في تتابع خطي. فقد تتمحور الفصول حول الأشخاص حينا (القلب الكبير – نساء سانية الحاج – رقادة أمي) أو الأماكن (القصور المهجورة – أحلام الزياتين) وقد يغدو الزمان منطلقها أو مدارها (حرب حزيران – يوم من أيام سوسة) وقد تصرح بهيمنة الفكرة/التيمة (في الصداقة والأصدقاء – أوراق الحياة). يعيد الكاتب عبر هذه الفصول بناء حياته ضاربا الصفح عن منطق الزمان وقوانينه، "منعتقا من زماتته"، متابعا "خيط المشاعر" وقد أشار إليها في تصدير الكتاب "حاولت تتبع خيط المشاعر التي أحدثتها فيّ تلك الوقائع"..
في الفصل الأخير "رقّادة أمي" - وهو من أجمل فصول الكتاب - لم يكن موت الأم مجرد حدث سردي، بقدر ما كان لوحة شعرية غنائية مدارها الأم، مشحونة بمشاعر الحب والألم، ينثال فيها فيض من الذكريات والمشاعر، استعادة للحظات الفرح والألم المشتركة، واستحضارا لنصوص شعرية وروائية تتغنى بالأم، حنينا إلى ذكريات الطفولة، يتحول بعدها الخطاب مناجاة شاعرية للأم في رسالة مفتوحة..
يتفاعل الخطاب السردي في السيرة مع خطابات أخرى، تتقاطع فيه التأملات الفلسفية مع السرد الروائي وقد اغتنى بالمقاطع الشعرية وأناشيد الطفولة والأغاني التراثية... وكأن الفلسفة التي بدت محرجة في البداية لتعارضها مع كتابة الذات غدت هي النبع والمعين الذي يتأوّل به الحدث السيرذاتي ويستعيد به معنى الحياة. ألم يقل الباحث الفرنسي بيير ماشري في كتابه "بم يفكّر الأدب؟": "ما نهدفُ إليه هنا.. هو الدفاعُ عن النزعة الفكرية للأدب، مؤكدينَ أنه يملكُ قيمة تجربة فكرية أصيلة، فبهذا المعنى سنتكلّم عن فلسفة أدبية..."
في معنى الحياة وتأويلها / لماذا تكتب السيرة الذاتية:
يعلّل جورج ماي مبررات كتابة السيرة الذاتية بدوافع متعددة يرى أن أقواها هو "حاجة المرء إلى العثور عن معنى لحياته المنقضية، أو إلى إعطائها شكلا مخصوصا" (3). فلا تكون الوقائع بذلك مقصودة لذاتها رغم لذة استحضارها واستعادتها. بل لعل اكتشاف مسالك المعنى بينها هو الأهم كما يصرح بذلك محمد محجوب في تصديره "اعتراف الكتابة". إذ يرى أن نفس الصبيّ الذي كان "ليست معطاة من الماضي، وإنما هي صورة يصحّحها كل يوم".. لذا يعتبر سؤال "الأنا" المتواتر في فصول هذه السيرة، وإن تلونت صيغه، أهمّ سؤال يطرحه الكاتب ساعيا إلى توليد الأجوبة المناسبة له "من أنا إذن؟" ص 28. "ها أني أحفر اليوم وأقلّب تقليبا في طبقات وجدان ذلك الصبيّ فأجدني أنا نفسي" ص 154. "أنا ذلك الطفل المطمئن إلى العالم، المحبّ للصداقة، الباذل في غير ريبة.. أنا ذلك الطفل الذي يريد، لأن الإرادة عبادته اليومية" ص 155.
تجلو السيرة الذاتية حاجة المرء إلى تأمل ذاته وكأنه ينظر في مرآة الطفولة ليكتشف صورته.. لكن هل استطاع محمد محجوب إلغاء المسافة بين الصورتين والحال أنه القائل إن المرايا تعلّمه "أن بين تمثله وموضوع تمثله مسافة لا يمكن طيّها بأيّ حال" ص 25. لقد سعى عبر كامل الكتاب إلى التأكيد على فكرة محورية لخصها العنوان (قدري الذي اخترت) وتكررت في ثنايا الفصول فكانت بمثابة اللازمة. هذه الفكرة تعكس نظرته للوجود وترى "القدر صناعة إنسانية يومية"، فالإنسان يختار قدره ولا يكون صنيعة له، والإرادة هي المفتاح السحري به يتحدد المصير.. فكرة محورية سعى محجوب إلى تكريسها في تأويله وقائع حياته، وقد وصلها بالمدرسة "هكذا علّمتني المدرسة أن أكون مختارا لقدري لا صنيعة له" ص 69، وبها برّر اختياره مهنة التدريس والدراسات الفلسفية. وهو يؤكد على دور المدرسة والمعلمين والمدرّسين ودور الأخ الأكبر في دعم هذا الخيار الوجودي وتشجيعه. لكن هل كانت المدرسة فعلا مصدر هذا اليقين والإرادة الحرّة في اختيارات الطفل والشاب لاحقا؟ يفترض ذلك أن يكون كل من تخرّج من هذه المدرسة على هذه الدرجة من الوثوق واليقين والوعي والإرادة.. هل يدعم الواقع وعلم النفس بل وكل العلوم الحديثة هذا التصور الذي يلغي بنية الشخصية وخصائص تركيبتها وتأثيرات المحيط فيها؟
يمكن تعليل هذه الحتمية التي سعى الكاتب إلى ترسيخها (اختيار الإنسان قدره) ببعض وظائف السيرة الذاتية باعتبارها عند البعض "ضربا من التحصين" الذاتي، يعمد كاتبها إلى أن يكون "توكيدا ثقافيا نموذجيا أو مميّزا بشكل ما" (4).
ألم تكن هذه الصورة النموذجية للذات أيضا صنيعة "ظروف" توفرت للكاتب وساهمت في تحديد خياراته: الأخ الأكبر الذي أحاط به ووجّه مطالعاته وحبّب إليه الشعر منذ الصغر فاستقام له لسانه وكان له القدوة والمرجع.. المدرسة التونسية في الستينيات والسبعينيات وقد وفرت الفضاء المشجّع على تنمية المواهب والملكات والإبداعات في النوادي، نوعية الإطار التعليمي الحريص على مرافقة المتعلمين ودعمهم...
لا يقلّص هذا التعليل من قيمة هذه السيرة الذاتية باعتبارها "مشروع بناء هوية" ذاتية، ومشروعا تقويميا للذات يتنازعه حرص على الصدق حينا، وانغمار بظلال الذكريات والانفعالات والمشاعر أخرى.. ألم يصرّح الكاتب منذ البداية أن الذاكرة "خزان الوجدان"، وأنه يمتح منه ليكوّن فكرة عن "معنى" ذلك الأنا – نفسي، لا عن حقيقته" ص 7. ولعل الجميل في كل ذلك هو هذا "الصدق" في متابعة الفكرة وهي تتشكل، وتقييمها كل آن إثباتا أو دحضا، تأكيدا لتواضع العلماء واعترافا بشطط الذاكرة، وإثباتا لتفاعل الفلسفة والأدب أو لتلاحم النزعتين في كتابة السيرة.
لم تتجاوز سيرة محمد محجوب ضوابط السيرة الذاتية بنية ومقاصد، رغم أن السيرة "جنس قُلّب"، وقد أثبتت فرادتها وأدبيتها بلغة مسبوكة سبكا متينا ولوحات فنية تغدو معها الشخصيات أيقونات فريدة، في تداع حرّ للذكريات والمشاعر الإنسانية تستثير في المتلقي أجمل الانفعالات وأقواها، إلى عمق في تحليل "الأنا" وهو يبحث عن ذاته وعن معنى الوجود عبر ذاكرة متقلبة.. ربما نجد في وصف محمد الغزي للكتاب أجمل تلخيص: "هذه السيرة قطعة فنية آسرة، تمتزج فيها كينونة الشعر، بصيرورة السرد، بكثافة اللمع، بعمق التأملات".
الهوامش والإحالات:
1- محمد أبو هاشم محجوب: قدري الذي اخترت، ج 1، حبر وألواح، دار كلمة للنشر، تونس 2023، ط 1
2- جليلة الطريطر: مقومات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، مركز النشر الجامعي، تونس، ط 1، 2004، ص 553
3- جورج ماي: السيرة الذاتية، تعريب محمد القاضي وعبد الله صولة، بيت الحكمة، قرطاج، 1992، ص 106
4- جيروم برنر: صناعة الذات والعالم، مجلة فصول، عدد 87/88، سنة 2014