القضاء العراقي ينأى بنفسه عن معركة تشكيل الحكومة
بغداد – حسم القضاء العراقي في السجالات والمعارك الدائرة حول تشكيل السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان)، مع احتدام الصراع بين القوى السياسية لتأمين مواقع متقدمة وانتزاع مناصب في الحكومة المرتقبة الى جانب اختيار الشخصيات لمنصبي رئاسة مجلس الوزراء والبرلمان، بأن نأى بنفسه عن هذه الاستحقاقات.
وشهدت الساحة السياسية العراقية خلال الأيام الأخيرة رسائل لافتة حملها البيان الصادر عن مجلس القضاء الأعلى عقب انعقاد جلسته الخامسة عشرة برئاسة القاضي فائق زيدان، ففي لحظة سياسية تتسم بكثافة المداولات بين القوى الفائزة بشأن تسمية رئيسي مجلس النواب والحكومة المقبلة، اختار المجلس أن يعلن موقفه بوضوح: لا دور للقضاء في بازار الاستحقاقات السياسية، ولا وصاية على خيارات الكتل في اختيار الرئاسات، ولا قبول بزج اسمه أو إعطاء أي إيحاء بدعم شخصية معينة.
ويأتي هذا الموقف في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتسارع مشاورات تشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتتعاظم التوقعات بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل، وسط تنافس حاد داخل معسكرات سياسية، بعضها يسعى إلى استثمار الرموز القضائية أو استخدامها كمرجعية تمنح مرشحيه غطاءً معنوياً أو تفويضاً مضمرًا. وهنا تحديداً، بدا بيان مجلس القضاء الأعلى رسالة سياسية—قانونية مزدوجة: إعادة ترسيم حدود استقلال القضاء من جهة، وتنبيه القوى السياسية إلى ضرورة احترام المسار الدستوري من جهة أخرى.
وأعاد القاضي فائق زيدان، الذي استعرض خلال الجلسة "دور القضاء في إجراء الانتخابات بموعدها الدستوري"، التذكير بأن المحكمة الاتحادية ومؤسسات القضاء التزمت بمهامها وفق الدستور، من الرقابة على الطعون، إلى حماية المسار الانتخابي. غير أن ما أراد المجلس تأكيده بلهجة لا تحتمل التأويل هو أن هذا الدور لا يُترجَم ولا يُسقط على مرحلة تقاسم المناصب أو هندسة السلطة التنفيذية.
ويرى مراقبون أن هذا البيان يمثل ردا مباشراً على محاولات من أطراف سياسية ربما من داخل الإطار التنسيقي أو من قوى أخرى، للإيحاء بإمكانية تبنّي شخصية قضائية لرئاسة الوزراء، أو التلميح بأن المجلس يدعم سيناريوهات معيّنة لتوزيع المناصب. وبذلك، يسعى القضاء إلى منع تكرار تجربة السنوات الماضية حين وُضع في قلب السجالات والاتهامات، وأصبح موضع تجاذب بين القوى المتنافسة.
كما يعكس البيان قلقا واضحا من تسييس المؤسسة القضائية عبر زجّ اسمها في سياقات تفاوضية لا تمت لجوهر عملها بصلة. لذلك جاء النص حازماً بأن القضاء "لا يتبنى ولا يدعم ولا يبدي رأيًا" بخصوص أي مرشح لرئاسة الحكومة أو للسلطات الأخرى، باعتبار أن هذه الاستحقاقات شأن سياسي بحت تتحمل مسؤوليته الأحزاب وفق قواعد التفاهم والائتلافات البرلمانية.
في المقابل، يحمل تأكيد احترام التوقيتات الدستورية بعدا آخر، فهو ليس مجرد تذكير تقني، بل دعوة صريحة لتجنب سيناريوهات الفراغ، والانقسامات الطويلة، والتأويلات المتضاربة للنصوص، التي عانى منها العراق في تجارب حكومية سابقة. ومن هنا، يبدو أن مجلس القضاء الأعلى يريد أن ينأى بنفسه عن أي ضغوط من شأنها أن تدفعه إلى لعب دور "الحَكَم السياسي"، وأن يعيد الكرة إلى ملعب الكتل البرلمانية التي تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة في تشكيل الحكومة.
ويمكن قراءة رسالة المجلس على أنها استعادة متجددة لخطوط الفصل بين القضاء والسياسة، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالِبة بإصلاحات بنيوية، وتزداد حساسية التوازنات داخل القوى الشيعية والسنية والكردية، وهي رسالة تضبط إيقاع المرحلة المقبلة وتضع مفاتيح القرار حيث ينبغي أن تكون: لدى القوى السياسية المنتخبة، لا في أروقة القضاء.