القفطان المغربي يزين سهرات رمضان بطابع تراثي فاخر

يتوهج اللباس المطرز كمرآة للهوية والجمال، حيث تمتزج الذاكرة بالتقاليد، وتولد لحظات احتفالية تعكس روح الانتماء وتؤكد حضور التراث المتجدد.

الرباط - مع حلول شهر رمضان من كل عام، يستعيد القفطان المغربي موقعه في صدارة المشهد الاجتماعي داخل المغرب والعالم العربي، باعتباره قطعة تختزل الأناقة والحنين وأجواء الاحتفال.

وخلال ليالي الإفطار والسهرات الرمضانية، يتحول القفطان إلى تعبير بصري عن الانتماء، وعن رغبة النساء في استحضار الذاكرة الجماعية عبر الأزياء. ويتجاوز حضوره كونه لباسًا تقليديًا، ليغدو جزءا من طقس اجتماعي يحمل دلالات الفرح والهوية وروح التواصل.

وفي العواصم الغربية التي تحتضن جاليات عربية ومغربية كبيرة، يكتسب القفطان بعدا رمزيا إضافيا، فهو يمثل زيا يميز المرأة العربية، وجسرا ثقافيا يربط الأجيال الجديدة بأصولها.

ويتحول ارتداؤه خلال إفطارات رمضان أو السهرات العائلية إلى ممارسة رمزية تعيد وصل الماضي بالحاضر، وتؤكد التمسك بالهوية في فضاءات متعددة الثقافات.

في مدن مثل باريس ولندن ومونتريال، أصبح القفطان عنصرًا ثابتًا في الاحتفالات الرمضانية للجاليات، حيث تتناغم الموسيقى الشرقية مع أجواء الموائد، ويتحول اللباس إلى إعلان واضح للاعتزاز بالثقافة الأصلية.

أما في المدن العربية الكبرى، فيظل القفطان حاضرا بقوة ضمن التقاليد الاجتماعية، ففي الرباط والدار البيضاء ومراكش، تبدأ المتاجر وورش الخياطة عرض أحدث التصاميم قبل حلول رمضان بأسابيع، في مشهد يعكس حيوية موسم ينتظره المصممون والزبائن معا.

ويعرف القفطان المغربي إقبالا متناميا من النساء العربيات، بفضل غناه في التطريز، ودقة تفاصيله، وتنوع خاماته، من الأقمشة المخملية الفاخرة إلى الأنسجة الخفيفة كالحرير والشيفون، ومن الزخارف اليدوية الدقيقة إلى الأحجار المطرزة، ما يعكس مهارة حرفية متوارثة عبر الأجيال. ويدفع هذا الطلب المتزايد المصممات المغربيات إلى مواصلة الابتكار، من خلال تقديم تصاميم توازن بين الأصالة ومتطلبات الذوق العصري.

وفي هذا السياق، كشفت المصممة المغربية سلمى بنعمر عن مجموعتها الخاصة برمضان 2026، مقدمة تصورًا فنيًا يجمع بين التراث والحداثة. ولا تقتصر المجموعة على إعادة تقديم القفطان بصيغته الكلاسيكية، بل تنفتح على قصّات أكثر جرأة واستخدامات مبتكرة للألوان والخامات. وقد استلهمت بنعمر بعض تفاصيلها من العمارة المغربية، مضيفة لمسات معاصرة تعكس اتجاهات الموضة العالمية، لتقدم تصاميم تحافظ على روح القفطان وتخاطب، في الوقت ذاته، المرأة الباحثة عن التميز.

ويعود نجاح القفطان المغربي إلى قدرته اللافتة على مواكبة الزمن دون التخلي عن رمزيته، فهو يحافظ على هويته التراثية، لكنه يظل مساحة رحبة للتجريب والإبداع.

وتدرك المصممات أن المرأة المعاصرة تبحث عن الراحة والعملية إلى جانب الأناقة، لذلك تتجه بعض التصاميم إلى الخفة وسهولة الارتداء، مع الحفاظ على الطابع الاحتفالي الذي يميز القفطان.

أما انتشار القفطان على الصعيد الدولي، فلم يعد مجرد ظاهرة موسمية، بل تحول إلى حضور ثابت في عروض الأزياء العالمية. ففي باريس ولندن ودبي، يُقدَّم القفطان كقطعة تجمع بين الحرفية والفخامة، ما يعكس قدرته على تجاوز الحدود الثقافية ليصبح رمزًا للأناقة ذات الجذور التراثية.

ويمتد هذا الحضور إلى عالم المشاهير، حيث أصبح القفطان خيارا مفضلا لدى العديد من النجمات العربيات والمغربيات في المناسبات الرمضانية، وأسهمت إطلالات فنانات مثل هيفاء وهبي ودنيا بطمة وسلمى رشيد ولطيفة رأفت وأسماء المنور ساهمت في تعزيز حضوره الإعلامي، وجعلته قطعة تجمع بين البعد الجمالي والانتماء الثقافي.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت أسماء مغربية تسعى إلى تقديم القفطان ضمن رؤية عالمية، فقد عرضت المصممة لمياء عقيل نماذج حديثة في منصات دولية، مؤكدة قدرة هذا الزي على منافسة الأزياء الراقية من حيث الجودة والتصميم. كما توجت سلمى بنعمر بجائزة "إيمي غالا 2025" في دبي تقديرًا لإبداعها، إلى جانب مساهمات مصممات مثل ليلى عزيز وبسمة بوسيل في توسيع حضور القفطان عبر تصاميم مبتكرة تستهدف جمهورًا عالميًا.

وفي سياق متصل، تستعد مدينة مراكش لاحتضان الدورة السادسة والعشرين من "أسبوع القفطان"، أحد أبرز المواعيد السنوية في عالم الموضة المغربية، والذي تنظمه مجلة "نساء من المغرب"، وذلك خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 10 مايو/أيار المقبل. ويؤكد هذا الحدث مكانة التظاهرة كموعد مرجعي يحتفي بالقفطان بوصفه رمزًا للهوية والتراث والإبداع.

وتقام هذه الدورة تحت شعار "نفس الأطلس"، في تكريم خاص لمنطقة الأطلس باعتبارها فضاءً غنيًا بالتقاليد والحرف والمعارف المتوارثة، ومصدرًا متجددًا للإلهام في المخيال المغربي. فالمنطقة، بما تزخر به من عمق ثقافي وإنساني، تشكل مرجعًا بصريًا وفنيًا يستلهم منه المصممون رؤاهم.

ويأتي اختيار هذه الثيمة امتدادًا للرؤية التي يتبناها "أسبوع القفطان" منذ سنوات، والقائمة على استكشاف المجالات الترابية للمملكة، بعد أن خُصصت دورة اليوبيل الفضي لعام 2025 للاحتفاء بالصحراء المغربية كمجال إبداعي ملهم.

ومن خلال "نفس الأطلس"، تفتح التظاهرة المجال أمام قراءات فنية تستلهم التضاريس والخامات الطبيعية والحرف التقليدية، ضمن رؤية معاصرة تمزج بين الابتكار والوفاء للأصالة، بهدف إعادة قراءة القفطان بروح زمنه مع الحفاظ على جذوره الثقافية.

وتأتي هذه الدورة في سياق احتفالي خاص، عقب إدراج القفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، وهو اعتراف دولي بجهود المغرب في صون هذا الزي وضمان استمرارية نقله عبر الأجيال، ما يمنح الحدث بعدًا رمزيًا وثقافيًا إضافيًا.

وبعد عملية انتقاء دقيقة تراعي فرادة الرؤى الإبداعية ومدى استيعاب ثيمة الدورة، تم اختيار 13 مصممًا ومصممة للمشاركة، وهم: سلمى بنعمر، مريم بوافي، معاذ شافعي، زينب فتيحي أضراب، زينب غزالي، سارة هلالي، ماو لخضر، هند لمطيري، هدى لاريني، أسماء ناجي، سلمى سناوي، أمال سوسي عواد، وإيمان تدلاوي.

وسيقدم هؤلاء المصممون مجموعات خاصة تعكس قراءات متنوعة لروح الأطلس، تمزج بين الإرث النسيجي والمهارة الحرفية وحرية التعبير الإبداعي، في حوار متوازن بين التقاليد والابتكار، يؤكد غنى القفطان المغربي وقدرته على التجدد ومواكبة التحولات الجمالية المعاصرة.