المثقفون السودانيون في قلب الحراك السياسي

منصور الصويم يؤكد أن دور كتاب ومثقفي السودان في المقاومة لم يكن وليد هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر الدولة السودانية.


الشعار المشرق للثورة المبني على الـ "سلمية"، لم يكن ليتحقق إن لم يلعب الكتاب والمثقفون دورا تصبيريا حقيقيا


محمد نجيب محمد: خلف كل ثورة تحدث فى أي بقعة من العالم يوجد إبداع وثقافة يمهدان لها الإشتعال

حضر المشهد الثقافي السوداني داخل الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير وأركان نظامه، حضر مثقفوه في الداخل والخارج سواء داخل الحراك الثوري واعتصاماته أو على صفحات الجرائد والمجلات ومواقغ التواصل الاجتماعي على اختلافها، هؤلاء المثقفون الذين عانوا الأمرين سجنا ونفيا وتشريدا ومصادرة على مدار سنوات طويلة من مواجهة هذا النظام الفاشي من خلال أعمالهم الإبداعية شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا ومقالاتهم، وفي هذا التحقيق معهم نتعرف على السبل التي سلكوها لخدمة السودان الثورة؟ وهل كان الحراك دون المثقفين كافياً لاسقاط نظام البشير؟
بداية أكد الروائي منصور الصويم أن دور كتاب ومثقفي السودان في المقاومة لم يكن وليد هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر الدولة السودانية، وإنما كان دورا نضاليا تراكميا مستمرا لثلاثين عاما هي عمر هذا النظام البائد؛ دور مستمد من قيم الوعي والإيمان بالإنسان وأحقيته في حياة كريمة، ويمكن ملاحظة هذا بسهولة إذا توقفنا عند العدد المهول من المثقفين والكتاب السودانيين الذين نفوا وتشردوا جراء السياسات الغاشمة لنظام البشير المخلوع، وقد لعب هؤلاء بشكل خاص ودقيق جدا دورا محوريا في هذه الثورة العظيمة التي أطاحت بالبشير وستطيح حتما ببقية أذيال نظامه التي تحاول سرقة جهد الثوار وتزييف مكتسبات الثورة، فقد كان للمثقفين والكتاب المهجريين – إضافة إلى الموجودين بالداخل – الدور الأكبر في تحريك وتفعيل الوعي الشبابي الجمعي؛ وللوسائط الحديثة ومواقع التواصل الإشراق الأكبر في وصل هؤلاء المثقفين والكتاب بالجيل الشاب الثائر والمصادم.
وأضاف: وفي اعتقادي الشخصي أن الشعار المشرق لهذه الثورة المبني على الـ "سلمية"، لم يكن ليتحقق إن لم يلعب هؤلاء الكتاب والمثقفون دورا تصبيريا حقيقيا روض الغضب الثوري المنفلت بجرعات الوعي المطلوبة. هذا بشكل عام أما على الأرض وبين الثوار، فالمثفون والكتاب موجودن ممثلين كياناتهم النقابية التي أعلنت منذ البدء انضمامها لـ "تجمع المهنيين السودانيين" المحرك الفعلي لهذه الثورة العظيمة، كما أن سجون ومعتقلات البشير استقبلت مئات الكتاب والمثففين ضمن الألوف من السودانيين الثوار الذين حاولت قمعهم وتحييدهم، وربما ستدهش إن علمت أن آخر أيام النظام البائد شهدت ابتكارا أمنيا قمعيا فريدا أُطلق عليه "الأمن الثقافي"، وهو فرعية أمنية قصد منها إرهاب وقمع المثقف السوداني بشكل خاص.  إذن، يا صديقي، لم يكن المثقفون السودانيون خارج الحراك، بل كانوا في قلبه، ثائرين بين الثوار لأنهم جزء منهم لا ينفصل أو ينقطع أبدا. 

ثورة السودان
لحظة تاريخية فارقة

وأكد الشاعر والكاتب محمد نجيب محمد علي أن خلف كل ثورة تحدث فى أي بقعة من العالم يوجد إبداع وثقافة يمهدان لها الإشتعال، إذ أن الثورة فى ذاتها هى حالة ثقافية وإبداعية، وثورة السودان التى انطلقت فى أغسطس/آب من العام الماضى ولا تزال ترسم خريطتها الكاملة سبقتها محاولات كثيرة، بدأت بعد فترة ليست طويلة من الإنقلاب الذى حدث فى عام 1989، وإذا ما حاولنا أن نرصد الدور الذى قام به المبدعون طيلة تلك الفترات التى سبقت إكتمال جنينها نجد أن أغلبهم دفعوا مهرا غاليا بين السجون والمنافي، ومن أشهر الشعراء الذين عانوا الكثير والكثير من عذابات السجون جراء قصائده وأغنياته التى لعبت ولا تزال دورا فى إشعال الثورة والتبشير والتنوير بها الشاعر محجوب محمد شريف الذى رحل عن عالمنا قبل سنوات قليلة جراء معاناته فى السجون لفترات تجاوزت الـ 13 عاما؛ كان نتيجتها إصابته بداء فى الرئتين لم يمنعه من أن يكتب آخر قصيدة له قبل ساعات من رحيله فى المشفى يقول فيها: 
أقول دون رهبة 
أقول دون زيف 
أموت لا أخاف 
أين إذ متى وكيف 
بغتة مستمتعا بأنجم السماء ليل صيف 
رصاصة فى القلب 
أو طعنة من سيف 
أموت لا أخاف 
أين أو متى وكيف 
ويختم القصيدة بقوله: 
أموت لا أخاف 
كيفما يشاء لى مصيري
أموت لا أخاف 
قدر ما أخاف 
أن يموت لحظة ضميري. 
وأضاف: غير محجوب هناك الكثير من الشعراء الذين ذاقوا ويلات السجن بل بينهم من اختفى عن الحياة، ولا يعرف لهم حتى اليوم أثر مثل الشاعر أبوذر الغفارى والذى كتب الكثير من قصائد النضال والثورة، وبجانب الشعراء هنالك الروائيون والكتاب والمثقفون، ولعل أشهرهم الطيب صالح صاحب موسم الهجرة للشمال والذى تساءل يوما بقولة مشهورة "من أين أتى هؤلاء"، وأيضا نجد الكثير من كتابات الأجيال المتعاقبة مثل كتابات الشاعر والمسرحي الراحل محمد محى الدين وكتابات فضيلى جماع ومحمد المكى إبراهيم وعالم عباس وحافظ محمد نور وعماد البليك وحمور زيادة صاحب رواية "شوق الدرويش" الفائزة بجائزة نجيب محفوظ والكاتبة الروائية سارة عبدالمنعم صاحبة رواية "الملكة وصبي الأفيون" وبجانبهم شعراء العامية الذين فعلوا الكثير فى تنوير الشعب وتحريضه على الثورة أمثال الراحل محمد الحسن حميد والشاعر محمد طه القدال وأزهري محمد علي وغيرهم كثيرون الذين يصعب دون شك ذكرهم كلهم فى إجابة مختصرة. 
ولفت إلى أن لأدباء وكتاب وشعراء السودان أدوارا كبيرة فى نشر الوعي الثوري والإنساني والذي صاحب هموم الناس وتطلعاتهم بالغد المستقبل الآتي ونتيجة كل ذلك الثورة التى تحدث الآن لترسم خارطة سودان الأعماق بعيدا عن الهيمنة السياسية التى عذبت الناس وعانوا منها ماعانوا فى شتى زوايا الحياة. وكانت أجمل قصائدها الشهداء الذين دفعوا ارواحهم مهرا لها ومحبة للسودان الوطن. ودون شك سيأتي الوقت الذي يكتب فيه عن دور الكتاب وإبداعاتهم فى تحقيق الثورة والأدوار التى لعبوها. وأعود وأقول خلف كل ثورة إبداع وثقافة وكتاب يضيئون لها الطريق ويمهدون لها فجرها.
وقالت الروائية والباحثة آن الصافي "القنوات المتاحة هي التي تمثلت في شبكة الإعلام الجديد بينما العالم  صمت على ما دار منذ أول يوم للثورة، ولكن الشعب السوداني بجميع طوائفه قال كلمته ضد الطغيان والظلم والفساد الذي تمثل في تيار شرذمة مثلها الحزب الحاكم وعلى رأسه عمر البشير وزبانيته. بعض القنوات العربية والعالمية كانت تتناول الأحداث على استحياء من حين لآخر، ودائماً هناك تقليل من شأن ما يدور، مثل ذكر أرقام الثوار المعتصمين بالمئات وهم فاقوا الملايين! وذكر أنها مجرد تظاهرات وليست ثورة لحاجة في نفسهم لم تهمنا بالتأكيد. إن تجمع المهنيين مثل رأي الشعب السوداني منحناه كامل الثقة، وكلما أشاروا لنا به عبر حساباتهم بتطليقات التواصل الاجتماعي تبنياه كل منا حسب طاقته. مهم جداً أن تقال كلمة الحق وبث الروح الثورية من قبل من يمتهنون الكتابة ويهتمون بالشأن الثقافي. هذه ثورة مجتمع يحترم الفكر النير والعلم والإنسانية في سموها هي طابع حياة ما عرفنا غيرها حتى ظهر هذا الحزب الباغي والعمل على دحره كان فعل العديد منا عبر العقود الثلاثة الماضية، ولكن بجرعات وآليات متنوعة، أشعرتنا بقيمة اتفاقنا على الهدف الواحد. كل صوت سوداني أبي أسهم في تحقيق نجاح هذه الثورة ومن ضمنهم الكتاب والمثقفون الشرفاء.

ولفت الشاعر والروائي عادل سعد يوسف إلى أن إدوارد شيلز رأى أن المثقفين أولئك الأشخاص الذين يوظفون معاملاتهم وعباراتهم رموزًا عامَّة ومرجعيات مجرَّدة متعلقة بالإنسان والطبيعة والكون بكثافة أكثر من أفراد المجتمع الآخرين. وقال: إذا استندنا إلي هذا التعريف مقروءا بتاريخ السودان الحديث فقد ظل المثقف يلعب دورًا بارزًا في كل الحراك الوطني دون أن يتخلف عن إنتاج فعله الثوري عبر الممارسة التنظيرية أو الإبداعية، ومن هنا يكتسب المثقف والكاتب السوداني ميزة ذات خصوصية مُنذ مؤتمر الخريجين إلى هذه اللحظة، بغض النظر عن رأينا الخاص فيما آلت إليه الأمور بعد ذلك، إلا أنَّ هذا الدور يمكن أن يخبو أو يتوهج تبعًا للفضاء السياسي الضاغط، أعني في الفترات التي سيطرت الدكتاتوريات على الحكم في السودان. لكن يظل المثقف السوداني فاعلًا وملتزمًا بقضايا شعبه وطموحاته. لذلك ظل المثقفون والمبدعون طيلة السنوات الثلاثين الماضية يتحركون جنبًا إلى جنب مع الكيانات المجتمعية الأخرى رغم التهميش والإقصاء والبطش الذي طالهم. وهم باقون حتي يتم تحقيق الثورة بمفهومها الكلي والقضاء على نظام البشير وتصفية جيوبه الإسلاموية.
وأكد الروائي محمد الطيب أن ما حدث ويحدث الآن في الشارع السوداني يشكل ترجمة لتراكمات وعي اشتغل عليها المثقف السوداني منذ أول اصطدام فعلي له بالوجه الحقيقي للحكومة السابقة في بداياتها في تسعينيات القرن الماضي، التسعينيات الحالكة، في ذلك الوقت وعي مهندس الحركة الاسلامية ومنظهرها حسن الترابي أن عقبته الكوؤد التي تحول بينه وبين السيطرة على السودانيين تتمثل في وجود المثقف الواعي، فقام بمحاربة الكتاب والمثقفين والفنانين والتشكيليين والمسرحيين، سجن منهم من سجن، وشرد البقية، بينما ظل قليلون ممسكون بالجمر يدارون على شموعهم علّها تضيء في وقت ما.
وقالت الكاتبة سارة حمزة الجاك "قاومنا العنصرية بالكتابة عن دارفور والنيل الأزرق، وحافظنا على رباطنا الاجتماعي بالكتابة، وأزلنا الفوارق الطبقية المتعمدة بالكتابة. وثقنا وحافظنا على موروثاتنا العريقة بأقلامنا فوصلنا إلى ما نصبو إليه، وسنواصل مسيرة الوعي استشرافا لمستقبل يستحقه الشعب السوداني وهو دورونا الطبيعي. لقد تشربنا معاني حروفنا من إرثنا الثقافي، صلاح أحمد إبراهيم، محجوب شريف، محمد الحسن، سالم حميد، الطيب صالح، ملكة الدار محمد، وكل شيء سجل اسمه بحروف من نور في مسيرة الوعي السودانية.
وشدد الروائي مهند الدابي على أن هذه الثورة ثورة الوعي السوداني، والمثقفين السودانيين الذين جاهدوا وصبروا من أجل هذا اليوم، وقدموا رغم ضيق اليد والحيلة كامل التوعية اللازمة لإزاحة دولة الديكتاتورية واستبدالها بالمدنية، سلاحنا كان السلميّة المُطْلقة والقلم والمحبة وقبلهم الوطنية، لقد عانى السودانيون عقوداً طويلة من الظلم وإهدار موارد البلاد البشرية والطبيعية والثروات، وفي وجه كل ذلك كان يقف صحافيٌّ شريف أو مغن صادق أو شاعر يحمل من الهموم عتيّاً أو روائياً محتقن بدماء الغضب، إن ما نراه الآن هو ثمرة عمل تراكمي طويل حيث حمل المثقفون السودانيون بمختلف مفاهيمهم مشعل العمل السياسي، وقد يرى البعض بأن تلك المطالب عصيّة المنال بعيدة الاحتمال، لكن المثقف السوداني نجح في أن يحدث التغيير في الدوائر الضيّقة التي تتسع يوماً بعد يوم. 
وقال: دائماً كان المثقف السوداني داخل أو خارج البلاد يمارس دوره الوطني الغيور بعيداً عن المكاسب السياسية وغيرها وقد ناضل الكثيرون من النخبة الثقافية السودانية لأجل تغيير البلاد وإعادتها الى الحكم المدني. للشاعر السوداني محجوب شريف قصيدة مشهورة تقول في جزء منها: 
"وحياة الشعب السوداني 
في وجه المدفع تلقاني 
وأنا بهتف تحت السكين، 
الثورة طريقي وأيامي معدودة 
وتحيا الحرية، 
الشعب حبيبي وشرياني". 
وختم الكاتب معتصم الشاعر أن الاحتجاجات بدأت شعبية خالصة، لم يكن المثقفون ككتلة دور ريادي، كانوا ضمن الهبّة الشعبية، داعمين بأقلامهم ووقفاتهم، الدور القيادي كان لتجمع المهنيين.