المراكز الصيفية الحوثية.. استقطاب طائفي وخطر متجدد

أخطر ما تمثله المراكز الصيفية الحوثية هو التراكم التعبوي الذي يملؤون به عقول الأطفال والخطر لا يكمن في هذه الفترة التي يقضيها الطفل في المركز فحسب، بل في أثره الممتد طويلاً.

تعتبر الإجازة الصيفية في حياة الأطفال الذين هم في سن المدرسة مرحلة استجمام وفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التوازن لحياة الطفل بعد أشهر من الضغط الدراسي، كما أنها فرصة للتنوع النشاطي رياضيا واجتماعيا ومهاريا، لكنها لا تكون كذلك بالنسبة للبلدان التي تعيش أوضاعاً مختلفة من الحروب والنزاعات، والتي تتحول فيها عقول هؤلاء الصغار إلى ساحة للصراع، ويتحول التعليم إلى أداة نفوذ ومنصات لاختبار الولاءات وتلقين هؤلاء الصغار سرديات مختلفة عن الهوية والوطنية والدين.

وضمن هذا السياق تأتي المراكز الصيفية التي تقيمها جماعة الحوثي في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، وهي المناطق الأكثر من حيث عدد السكان، حيث حولت الجماعة هذه المراكز إلى ساحة للتعبئة الفكرية ومعسكرات لتجنيد الأطفال وسحبهم نحو الحياة العسكرية.

والمشكلة لا تكمن في تعليم الدين والقيم، فهذه من الأشياء التي تشربها اليمنيون بطبيعتهم وفطرتهم السليمة، لكن الإشكال يكمن في تحويل هذه المراكز إلى أدوات لتصنيع وعي ذي طابع أحادي، ومن يتابع خطابات الأنشطة الصيفية يدرك حجم استدعاء الألفاظ الحربية والعسكرية منذ خطاب الافتتاح وحتى الانتهاء من فترة المراكز، كما يدرك أن الجماعة تعمل على تغيير المفاهيم المتعلقة بالدين والهوية وإدخال مفردات العداء والكراهية والتخوين باسم حماية الإيمان أو حماية المجتمع.

وفي الأوضاع الطبيعية يمكن لأولياء الأمور وللمجتمع المقارنة والموازنة بين ما هو خطاب متشدد وما هو معتدل، إلا أن الوضع اليمني الذي يعرفه الجميع وما يعيشه اليمنيون من أزمات متلاحقة منذ سيطرة الحوثيين على السلطة في عام 2014 وما خلفته من مآسٍ تجعل الموازنات تنهار والمقارنات تختفي، والتفكير بأهمية التعليم يخف، ويسبب الفقر ضعفاً في دور الأسرة، وحينها تختفي الأنشطة البديلة ويشعر الطفل بفراغ، ولا تحضر أمامه سوى هذه المراكز المؤدلجة بوصفها خياراً وحيداً، بالإضافة للضغوطات التي تمارسها الجماعة على أولياء الأمور لدفع أبنائهم إلى هذه المراكز.

ويلقى تعليم القرآن الكريم وتدريسه في اليمن قبولاً وإقبالاً كبيراً من كافة شرائح المجتمع، وهو جزء من تركيبة اليمنيين ونسيجهم الاجتماعي، ويحرص أولياء الأمور على دفع أبنائهم لمراكز تحفيظ القرآن وحلقاته حرصاً على تعليم أبنائهم تعاليم القرآن وطريقة نطقه وتلاوته الصحيحة.

 ولمعرفة الجماعة بهذا فقد خلعت على نفسها لقب "المسيرة القرآنية" ولمؤسسها الراحل "القرآن الناطق"، وعملت على فتح المراكز الصيفية تحت لافتة تعليم القرآن، وهي في الحقيقة تلغم عقولهم وتغرس فيها بذور التطرف والإرهاب، وكثيرة هي الحوادث التي عاد فيها أبناء هذه الأسر من دورات التعبئة وهذه المراكز الصيفية ليقتلوا بعضاً من أفراد أسرهم، وبعضهم قتل أباه أو قتل أمه بحجة الإساءة لما يلقنونهم في المراكز ويسمونه بـ"علم الهدى".

وقد وثق تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات نشر في يونيو/حزيران من العام الماضي 2025 الانتهاكات التي قام بها الحوثيون خلال عشر سنوات بحق القرآن وأهله، حيث وثق التقرير 791 حالة انتهاك طالت المساجد ودور القرآن، منها 152 حالة تفجير، و52 حالة إحراق، و341 حالة انتهاك وعبث بالمحتويات، بالإضافة إلى 467 حالة إغلاق لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، ويتبع هذه الإجراءات نقل هذه المدارس لتكون تابعة للجماعة تدار من قبلها، ويدرس فيها المنهج الذي تقره وتعتمده، وغالباً ما يكون من ملازم قادتهم المشحونة بالطائفية والكراهية والتطرف الديني والمذهبي.

أما على صعيد أساتذة القرآن الكريم ومعلميه، فقد وثقت الشبكة في تقريرها 560 حالة انتهاك واختطاف لمدرسين ومعلمين وتربويين، منهم 310 من معلمي تحفيظ القرآن الكريم، ولا يخفى على الجميع ما تعرض له مؤخراً شهيد القرآن الشيخ صالح حنتوس من اعتداء عليه في منزله انتهى بمقتله عليه رحمة الله، وهذا يعني أن هذه الجماعة لا تتخذ من تعليم القرآن الكريم إلا لافتة وغطاء تخفي وراءه أنشطة ومفاهيم تخرج الأجيال من بيئتهم ليكونوا وقودا لحروبها الحالية والمستقبلية.

في هذه المراكز التي تديرها الجماعة، يدخل الطفل محملاً ببراءته ونقائه، لكنه يخرج وقد تغير كلياً؛ دخل إلى هذه المراكز طفلاً يحب أسرته، لكنه يخرج منها بحب "السيد" ويقدمه على جميع أفراد أسرته بما فيهم أبوه وأمه. دخل المركز الصيفي وهو شغوف بتعلم القرآن محباً له، لكنه يخرج منها ولا يعرف سوى "الملازم" منهجاً ومرجعاً. وفي هذه المراكز تتغير ألفاظه وسلوكه، ويرجع منها وهو يحمل عداءً لمجتمعه ومحيطه، ولا ولاء لديه إلا للجماعة، ولا براء إلا وفق أوامرها، والموت لديه لا يساوي شيئاً إن كان بأمرهم، والقتل أمر عادي إن كان في سبيلهم.

وأنا هنا لا أتحدث افتراضاً، بل هي أحرف وكلمات نسطرها من الواقع الذي يراه ويشاهده ويعلم به اليمنيون من مختلف انتماءاتهم، وهو خطر يدركونه جميعاً، خاصة أولئك الذين يعيشون في مناطق سيطرتهم.

وإن أخطر ما تمثله هذه المراكز هو التراكم التعبوي الذي يملؤون به عقول الأطفال، والذي سيستمر أثره طويلاً؛ فالخطر لا يكمن في هذه الفترة التي يقضيها الطفل في المركز فحسب، بل في أثره الممتد طويلاً، وقد أعادت الجماعة في ذهنه كل التعريفات للوطن وللدين وللآخرين جميعاً.

وهذا ما يضع الحكومة الشرعية أمام مسؤولية وطنية هامة بضرورة التحرك الجاد والعاجل، وحشد الجهود وتوحيدها جميعاً من أجل دحر هذه الجماعة، وإبعاد خطرها عن حاضرنا وحاضر أطفالنا ومستقبلهم؛ فبالخلاص من هذه الميليشيا وأفكارها الدخيلة، يمكن لليمن واليمنيين أن يتحقق لهم الأمن والسلام، وأن يعود اليمن سعيداً آمناً مستقراً.