المسرحيون يتعاملون مع حجم الحريات دون انبطاح أو انتهازية

عبداللطيف فردوس يؤكد أن المسرح واحد أينما حل أو ارتحل، ومهما تعددت وتنوعت الأشكال والمدارس، يبقى دائما المسرح مسرحا.


فردوس يرى أن المسرح في المغرب غوص وإبحار وانفتاح وتطلع لآفاق أرحب


على المسرح ألا يتخلى عن دوره النضالي التنويري، وان لا يتخندق في حسابات سياسية ضيقة

يحمل المسرحي المغربي عبداللطيف فردوس مسيرة مسرحية حافلة ما بين التأليف والإعداد والإخراج، ففي رصيده 42 عملا مسرحيا ما بين التأليف والإعداد، قدمت كلها على خشبة المسرح، وتم تصوير 7 منها لصالح التليفزيون المغربي بقناتيه، وقام باخراج 9 أعمال مسرحية لفرقة النادي الفني المراكشي، ومسرحية واحدة لفرقة الوفاء المراكشية، ومسرحيتين لفرقة مسرح أيوب، كما قام بإعداد وإخراج 12 عملا مسرحيا موجها الشباب وللأطفال. 
وفضلا عن هذا فإن فردوس له مساهماته السينمائية، كتابة حوار وإعادة سيناريو فيلم "امرأة في الظل" لجمال بلمجدوب، وهو مستشار فني للأعمال التلفزيونية والسينمائية التي تقدمها شركة الإنتاج ناسكوم، آخرها الفيلم السينمائي "الكورصة" لفركوس. 
من أعماله إخراج المهرج لمحمد الماغوط، استمرار الملحمة لعبدالله المعاوي، أم راضية لعبداللطيف بولجير، وإعداد وإخراج تراجيديا "السيف الخشبي" لمحمد مسكين، "البطل" عن مسرحية البطل لعبدالغفار مكاوي، والانتظار عن الهلافيت لمحمود دياب، أوديب ملكا، وتأليف وإخراج: الأسد الضائع، أنشودة الحياة، بذرة الحب. ومن مؤلفاته: لفراجة ف البساط، كودو جا، ضرسة لعقل، المحطة 21، شكون، سلطان الطلبة، لبسايطية، تخريفة هرما عند عبيدات الرما.
 بداية حدثنا فردوس عن تجربته ومراحل تطورها قال: رسمت الأنشطة الفنية بالوسط المدرسي مسار حياتي المسرحية، ودفعت بي إلى السير في دروب هذا العالم النبيل. مارست المسرح على خشبة مدرستي الإبتدائية تحت إشراف أطر من الشبيبة والرياضة، وكانت البداية مرحلة عفوية تلقائية، ارتكزت على مبادئ أولية للتعامل مع الخشبة (الطاولات) وقوفا ومقامات صوتية. بانتقالي إلى الدراسة الثانوية كانت ضربة الحظ التي هدتني إلى الالتحاق سنة 1968 بالنادي الفني المراكشي كوميديا، أحد أعرق الفرق المسرحية بمدينة مراكش بل وبالمغرب. وشكل الالتحاق فرصتي للاحتكاك بالراحلين عبدالعزيز الزيادي وعبدالكريم بناني، أحد أشهر المخرجين المغاربة الذين تلقوا تكوينا أكاديميا بفرنسا، كما أن أغلبية أطر الجمعية آنذاك كانوا من خريجي معهد التمثيل بالحارثي بمراكش، الذي كان يشرف عليه روجي كيني. 

وأضاف: داخل هذه الجمعية تلقيت تكويني ومارست عشقي، فانتقلت من التلقي إلى الإنتاج، حيث في رصيدي 42 عملا مسرحيا ما بين التأليف والإعداد والإخراج، قدمت كلها على خشبة المسرح، وتم تصوير 7 منها لفائدة التلفزة المغربية بقناتيها. كما قمت بإعداد وبإخراج 12 عملا مسرحيا موجها الشباب وللأطفال. وأقوم بتأطير ورشات في الكتابة المسرحية والأفلام القصيرة. اشتغلت رفقة فرقة مسرحية محترفة على مسرحة الأشكال الفرجوية في التراث المغربي، تناولت خلالها كمنقب ومؤلف أهم الظواهر الفرجوية التراثية بالمغرب، كسلطان الطلبة وعبيدات الرما والتبوريدة. 
وكمؤلف تعاملت مع فرق مسرحية محترفة بالمغرب أهمها فرقة تانسيف ومسرح الأصدقاء، كما قدمت فرقة مسرحية محترفة بفرنسا "مسرح اليوم" ثلاثة من مسرحياتي. حصلت على جوائز هي: الجائزة الكبرى بالمهرجان الوطني للمسرح الاحترافي بمكناس بمسرحية لبسايطية. وجائزة أحسن نص، سنة 2009 في المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي بمكناس "التبوريدة". وجائزة العمل المتكامل بالمهرجان الوطني للمسرح المدرسي بالدار البيضاء. 
وحاليا أعمل على مسرحة الرواية والقصة القصيرة. إضافة إلى هذا تحملت مسؤولية نائب أمين أول فرع جهوي بمراكش للنقابة الوطنية لمحترفي المسرح (سابقا). وعضوية لجنة دعم المشاريع المسرحية لوزارة الثقافة 2016/2017. ولجنة انتقاء عروض مهرجان المسرح الوطني بتطوان لموسم 2016. ولجنة اقتراح المسرحيات المغربية لمهرجان المسرح العربي بالجزائر 2016". 

مخرج مسرحي
عبداللطيف فردوس

ولفت فردوس إلى أنه يفضل استعمال المسرح في المغرب عوض المسرح المغربي، وأوضح "المسرح واحد أينما حل أو ارتحل، ومهما تعددت وتنوعت الأشكال والمدارس، يبقى دائما المسرح مسرحا، ويصعب أن يفقد صفته الأبدية بتلونه بفضاء جغرافي أو خصوصيات محلية. صحيح أن المسرح في المغرب له خصوصيات، أهمها أن المسرح بالمغرب كفرجة متجذر في الوجدان وفي التاريخ، بأشكاله الفرجوية التي عرفها ولا يزال، وهناك تجارب كثيرة تعمل على مسرحتها، أي نقلها من تعبير تلقائي مرتبط بالزمان والمكان، إلى لغة مسرحية أكاديمية، بقيادة ومبادرة خريجي المعهد العالي للفنون الدرامية بالمغرب وبعض الرواد، كما تتناوله بالدراسة بحوث وكتابات نقدية مهمة. 
هذا الاشتغال الواعي المرتكز على التكوين والاحترافية العالية، هو أبرز خصائص المسرح في المغرب في الفترة الراهنة. لا أقول إنه لم يبرز إلا مؤخرا، ولكن في الماضي كان مجرد استثناءات معزولة وفردية. الآن أصبح هناك وعي شبه جماعي بأن دور المسرحيين هو تطوير الأشكال والأساليب، لإبداع صيغ تتلاءم مع حاجيات المجتمع وتطلعات المهنيين. بالإضافة إلى أننا أصبحنا نتكلم عن المسرح كمهنة دون إغفال بعده التنموي بشريا واقتصاديا. المسرح بالمغرب حاليا يشغل وينتج ويروج ويكّون جمهوره، وبإطلالة سريعة على برنامج التوطين المسرحي الذي أحدثته وزارة الثقافة، سيتضح مدى حضور هذا البعد، وبإيجاز أقول، إن خصوصيات المسرح المغربي غوص وإبحار وتطلع إلى آفاق أرحب.
ورأى فردوس أن علاقة المسرح في المغرب بالمشهد المسرحي في العالم العربي، تمثل انخراطا واعيا، وانفتاحا لمد جسور التواصل والتفاعل بين تجارب مسرحية متنوعة. والمتتبع للساحة الفنية في العالم العربي، سيتأكد من الحضور الوازن للمغرب في التظاهرات والمهرجانات بالعالم العربي، حضور بعروض وبباحثين ونقاد. كما أن عددا كبيرا من المهرجانات بالمغرب، وإن كانت محدودة الإمكانيات، لا تتردد في توجيه الدعوة وفي استضافة فرق من مختلف الدول العربية. لقد توسعت رقعة هذا الانخراط من الانفتاح على تونس والجزائر ومصر، لتمتد إلى دول الخليج، وبشكل جد محدود ومحتشم إلى بعض دول المشرق العربي التي نعرف جميعا أوضاعها السياسية والأمنية. إلا إن هناك وعي بالمغرب بخطورة الاكتفاء بالانفتاح على العالم العربي فقط مخافة التقوقع. 
المسرح بعده كوني، ولا يؤمن بالمحلية الضيقة، وهذا ما يفسر انفتاح المسرح في المغرب على دول إفريقيا غير العربية، وعلى أوروبا خاصة في قسمها الغربي، بل أصبحنا نجد محاولات جادة للانفتاح على الصين، وكدليل على ذلك المبادرة الجادة المتميزة والعلمية التي يقودها السينوغراف الدكتور طارق الربح. جادة لأنها تتمأسس على توقيع اتفاقيات، متميزة لأنها انفتحت على مجال السينوغرافيا، وعلمية لأن صاحبها له تكوين أكاديمي عال. إننا بصدد تفاعل وتلاحق التجارب المسرحية في العالم العربي، ملامح هذه العملية واضحة كما وكيفا، إلا أن تقييم تجلياتها مرهون بنتائج بعيدة المدى.
وأشار فردوس إلى أنه حينما عمل على مسرحة الرواية، كرواية "سيرة حمار" للمفكر حسن اوريد، و"تحفة الكوارتي" للقاص أحمد طليمات، كان دافعه هو نقل هذه الروايات إلى غير القارئ لها، وخاصة جمهور المسرح الذي لا يهتم بقراءة الروايات. وأضاف "العملية من هذا المنطلق كانت عبارة عن امتداد نحو متلقٍ، وجسرا لربط الصلة بين الأجناس الأدبية والفنية. حينما تتحول الرواية إلى المسرح أو السينما أو التلفزيون، فمن المؤكد من أنها ستلامس جمهورا أوسع. ولنا في الروائع الروائية العالمية مثالا التي اكتسبت شهرة اوسع.
وقال فردوس "لا أقر بأن هناك أزمة في النص، بل أزمة في التعامل مع النصوص العربية المؤلفة، صحيح أن للاقتباس عن نصوص عالمية حضورا أقوى، لكنني لا أراه أزمة للنص العربي بقدر ما اعتبره انفتاحا على الغير".
ورأى فردوس أن العلاقة بين المسرح والتلفزيون في نظري علاقة متشعبة ومركبة، ذات اتجاه واحد هو المتلقي. يمكن أن يكون التلفزيون وسيلة داعمة تفيد المسرح، عن طريق تخصيص وصلات اشهارية أو إخبارية للأنشطة المسرحية وخاصة العروض، مما سيساهم في تحفيز الجمهور على ارتياد القاعات المسرحية، وفي تجويد ثقافته المسرحية لتسهيل المواكبة والتفاعل مع العروض. لكن الطريقة التي تتعامل معها بعض القنوات التلفازية في تسجيل المسرحيات تبقى في معظم الحالات إلا ما ندر، أقرب إلى النقل التلفازي منه إلى الإخراج المسرحي، تضعف القيمة الفنية للعمل المسجل. لكن إذا تعامل التلفزيون مع العروض بتوفير إمكانيات مهمة خلال التصوير والتسجيل والمونتاج، يمكن أن يصبح في هذه الحالة قيمة مضافة تفيد العمل المسرحي، ولنا في "المسرح هذا المساء" بفرنسا نموذجا لما يمكن أن يقدمه التلفزيون للمسرح كخدمة. عموما وكما يرى الناقد عبدالله دشين "العلاقة بين المسرح والإعلام متداخلة ملتبسة، وتخضع في بعض الأحيان لمنطق التوجيه المباشر أو غير المباشر، ولمنطق التأثير والتأثر".
وحول تراجع دور المسرح كمؤثر ومحرض على الوعي والتنوير، وهجر الجمهور، قال فردوس: "لا يمكن الانطلاق من القاعدة الجماهيرية لنقر بالتراجع، لأن هذه القاعدة ليست مطلقة بل نسبية، تختلف باختلاف مجموعة من المؤثرات، فمثلا في تونس نجد إقبالا على قاعات المسرح وتسابقا على تأدية ثمن التذكرة، والمثال هنا ليس للحصر، في هذه الحالة يصعب الحديث عن هجرة الجمهور، كما أن بعض العروض الشبابية بالمغرب تقدم فرجتها بشبابيك مغلقة ونفاذ التذاكر بيومين على الأقل من تاريخ العرض. ولنا في مسرحيات محمد الجم، وعروض حسن الفذ دليل على ما أشير إليه. لهذا مسألة التراجع من عدمه تبقى نسبية. والمسرح منذ نشأته كان دائما مضايقا من فرجات أخرى أكثر جماهيرية، عروض الاقتتال عند الرومان، العروض السينمائية بعد اختراعها، إلى غير ذلك، ومع ذلك بقي المسرح ولا يزال. إلا أنه في نظري الذي يمكن إن يقتل المسرح هو ابتعاده عن الدور التنويري وسعيه إلى الاستفادة من الشباك لرفع المبيعات بدعوى إن الزمن يعرف تحولات يجب مسايرتها. صحيح تحولات العصر يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، لكن على أساس إن لا يغيب عنا إن المسرح فعل نضالي مقاوم للركود والتحجر والظلامية والرجعية. 

أما عن سؤالك حول حجم الحريات المتاح في كل بلد، فهذا واقع اعتاد المسرحيون على التعامل معه دون انبطاح أو انتهازية. وللخروج بالمسرح من ذلك، أضاف أنه على المسرح الجاد أن يصمد، وأن يبقى لصيقا بقضايا مجتمعه الحقيقية وليست الشكلية، وأن لا يتخلى عن دوره النضالي التنويري، وان لا يتخندق في حسابات سياسية ضيقة، وأخيرا الصدق والجرأة في تناول القضايا.
وانطلاقا من متابعته للمسرح الخليجي أكد فردوس أن المسرح الخليجي في تطور مذهل، قلق وعشق فنيان كبيران لمعانقة الأفضل. الإمارات العربية المتحدة والكويت قطعتا أشواطا بعيدة في ترسيخ فرجة متميزة بقلق فلسفي، وطموح نحو توظيف تقنيات أتاحها التطور التكنولوجي، دون تعريض المسرح إلى مسخ يفقده هويته، مما يفسر الارتباط بالتراث وإعطائه بعدا إنسانيا كونيا. وبالنسبة للمهرجانات المسرحية بالإمارات العربية المتحدة، يطبعها التعدد والتنوع: الشارقة للمسرح العربي، الشارقة للمسرح الخليجي، كلباء للمسرحية القصيرة، الشارقة للبحث المسرحي، المسرح الكشفي، خورفكان المسرحي، أيام الشارقة المسرحية، الشارقة للمسرح الصحراوي، المسرح المدرسي، وهي مهرجانات في إطار استراتيجية محددة وواضحة للنهوض بالمسرح، وهي الإستراتيجية التي وضعها ويرعاها ويشرف عليها الشيخ د.سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. وتنبني الخطوات الإجرائية لترجمة وتطبيق هذه الإستراتيجية على أرض الواقع، على الاهتمام بالمسرح المدرسي تنظرا وأسسا وممارسة، إلى جانب تنشيط ودعم مسرح الطفل، وهي نظرة بعيدة الأفق بهدف تكوين قاعدة بشرية أساسية للنهوض بالمسرح الاحترافي .