المغرب بسرعة واحدة: نحو طموح وطني لا يترك أحداً في الخلف

مفهومَ "المغرب بسرعةٍ واحدة" لا يعني التنميطَ ولا التجانسَ القسري، بل توازنَ الإيقاعات: أن تتقدم الجهاتُ المتأخرةُ دون أن تتباطأَ الجهاتُ المتقدمة، وأن يتحول الاختلافُ إلى تكامل.

في الدار البيضاء، داخل قاعة فندق "الماريوت"، ترددت مساءَ الخميس أصداءُ نقاشٍ حادٍّ حول مسألةٍ تبدو تقنيةً في ظاهرها، لكنها تمسّ جوهر المشروع الوطني: هل يسير المغرب فعلًا بسرعةٍ واحدة؟
المؤتمرُ الذي نظمته رابطةُ المهندسين الاستقلاليين بجهة الدار البيضاء – سطات، تحت عنوان "من أجل مغربٍ بسرعةٍ واحدة"، وحضره الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء نزار بركة، أعاد فتحَ ملفٍّ شائك: كيف يمكن للمغرب أن يتقدّم في كل جهاته، وبكل فئاته، وبالإيقاع نفسه؟

الرهانُ هنا ليس مجردَ تنسيقٍ في وتيرة الأشغال أو نسقِ الاستثمار، بل هو قضيةُ عدالةٍ ترابيةٍ بالدرجة الأولى. فبينما تشهد بعضُ الجهات ديناميةً اقتصاديةً قويةً وبنيةً تحتيةً متطورة، ما تزال مناطقُ أخرى تعاني ضعفَ الخدمات الأساسية، من الماء إلى التعليم، ومن النقل إلى فرص الشغل. والنتيجة: مغربٌ بسرعتين، بل أحيانًا بسرعاتٍ متعددة، يُهدد وحدةَ النموذج الوطني ويُعمّق الإحساسَ باللاعدالة.

في كلمته، أعاد نزار بركة تعريفَ معنى البنية التحتية، ليس بوصفها غايةً في ذاتها، بل وسيلةً لتحقيق التنمية البشرية والاجتماعية، فـ"الطريق"، كما قال، ليست مجردَ إسفلت، بل جسرٌ نحو الكرامة الاقتصادية والاجتماعية، و"شبكةُ الماء" ليست مجردَ أنابيب، بل شرطٌ أساسيٌّ لتكافؤ الفرص بين المواطنين والمجالات.
هذه المقاربةُ تضع الإنسانَ في قلب السياسات العمومية، وتُحمِّل الدولةَ مسؤوليةَ ضمانِ أثرٍ اجتماعيٍّ ملموسٍ لكل درهمٍ يُستثمر.

أما ملفُّ الماء، فقد احتلَّ مكانةً محوريةً في النقاش. فالوزيرُ بركة تحدّث عن "العدالة المائية" كإطارٍ جديدٍ يجب أن يحلَّ محلَّ التضامن التقليدي بين الجهات. فالتفاوتُ في الموارد المائية بات حادًّا، ولا بد من حلولٍ مبتكرةٍ كتحلية مياه البحر، وربطِ الأحواض المائية الكبرى عبر "الطرق السريعة للماء"، مع مراجعةِ أساليبِ التدبير والتوزيع. ومع أن المغرب راكم خبرةً مهمةً في هذا المجال، فإن التحديَ القادمَ هو في حوكمةِ الماء: كيف نضمن استدامتَه دون أن يتحول إلى عاملِ تمييزٍ بين الحضر والبادية، أو بين الفلاح الصغير والمستثمر الكبير؟

وفي المحور الاقتصادي، لفت بركةُ الانتباهَ إلى خللٍ مزمنٍ في منظومة الصفقات العمومية، حيث تنحرف المنافسةُ أحيانًا نحو كسرِ الأسعار على حساب الجودة والالتزام بالمواعيد، ما يؤدي إلى مشاريعَ متعثرةٍ وبنيةٍ تحتيةٍ غير قابلةٍ للصيانة، وهدرٍ متكررٍ للمال العام. وهنا دعا الوزيرُ إلى "تسريعٍ مسؤول" يُراعي الجودةَ ويُعزّز الشفافية، مع تشجيعِ المقاولات الجهوية القادرة على تنفيذ المشاريع بكفاءةٍ واستدامة.

لكن الافتتاحية لم تكتمل دون بُعدٍ سياسيٍّ واضح، فقد شدّد بركة على أن تجديدَ النخب ودمقرطةَ القرار المحلي جزءٌ من هذا "التسريع الوطني"، فالتقنياتُ مهما تطوّرت، تظل عاجزةً عن خلق الثقة إذا لم تُرافقها شفافيةٌ ومساءلةٌ وتجديدٌ في الوجوه والأفكار. الشبابُ، في نظره، ليسوا جمهورًا يُشاهد التغيير، بل طاقةً يجب أن تُديره وتبتكرَ فيه.

إن مفهومَ "المغرب بسرعةٍ واحدة" لا يعني التنميطَ ولا التجانسَ القسري، بل توازنَ الإيقاعات: أن تتقدم الجهاتُ المتأخرةُ دون أن تتباطأَ الجهاتُ المتقدمة، وأن يتحول الاختلافُ إلى تكامل، فالتنمية ليست سباقًا بين الجهات، بل مشروعًا جماعيًّا لا يربح فيه أحدٌ إذا خسر الآخر.

من هنا، يمكن تلخيصُ أولويات المرحلة التي دعا إليها نزار بركة فيما يلي:

إعادةُ توجيه المشاريع الكبرى نحو الأثر الترابي القابل للقياس، من حيث فرصُ العمل، واستدامةُ الخدمات، وتقليصُ الفوارق المجالية.

إصلاحُ منظومة تدبير الماء ضمن رؤيةٍ تقوم على العدالة، والتخطيط المندمج، والشفافية في الاستغلال.

إعادةُ هيكلةِ منظومة الصفقات العمومية لتشجيع الجودة على حساب السعر الأدنى، وربطِ المسؤولية بالمحاسبة.

توسيعُ دائرة المشاركة المحلية عبر آلياتٍ تشاركيةٍ تُشرك المواطنَ في القرار والتتبع والتقييم.

تأهيلُ الشباب والنخب الجديدة ضمن رؤيةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ تجعل الكفاءةَ والمواطنةَ معيارَين للقيادة.

إن المغربَ الذي يسعى إليه نزار بركة ليس مغربًا يركض بلا وجهة، بل بلدًا يعرف إلى أين يريد الوصول، وكيف، ومع من، فـ"السرعةُ الواحدة" ليست شعارًا للحركة، بل مقياسًا للعدالة؛ والعدالةُ ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا لبقاء النموذج المغربي متماسكًا في زمنٍ تتسارع فيه التحولاتُ وتتسع الفوارق.

باختصار، يمكن القول إن المغرب لا يحتاج فقط إلى أن يسيرَ بسرعةٍ أكبر، بل إلى أن يسيرَ معًا — بسرعةٍ واحدةٍ، نحو مستقبلٍ واحد.