المغرب والولايات المتحدة: تحالف يتجدد على إيقاع الثقة والمصالح المشتركة
حين صادق مجلس الشيوخ الأميركي مؤخرًا على تعيين دوك بوكان الثالث سفيرا جديدا لواشنطن في الرباط، لم يكن الأمر مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل كان تعبيرا واضحا عن توجه أميركي متجدد نحو المغرب، باعتباره شريكًا استراتيجيًا محوريًا في شمال إفريقيا، وركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار الإقليميين.
المغرب… شريك لا يمكن تعويضه
في كلمته أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، اختصر السفير الجديد الموقف الأميركي في جملة بالغة الدلالة حين قال إنّ المغرب "ركيزة للاستقرار" و"عنصر أساسي في الأمن القومي للولايات المتحدة".
هذا التصريح، على بساطته، يترجم قناعة راسخة في واشنطن مفادها أنّ استقرار المغرب هو شرط لاستقرار المنطقة، وأنّ المملكة تمثل نموذجًا متفردًا في الجمع بين الشرعية السياسية، والاعتدال الديني، والانفتاح الاقتصادي.
ففي عالمٍ مضطربٍ تتنازع فيه القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا، تدرك الإدارة الأميركية أنّ المغرب ليس مجرد حليف، بل ضامن توازنٍ ومركز ثقةٍ في فضاءٍ تتقاطع فيه رهانات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة الدولية.
من معاهدة 1786 إلى الشراكة المتقدمة
أعاد دوك بوكان التذكير بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1786، وهي الأقدم في تاريخ الدبلوماسية الأميركية، ليؤكد أنّ العلاقات المغربية الأميركية ليست وليدة ظرفٍ أو مصالح عابرة، بل ثمرة تاريخٍ طويلٍ من الثقة المتبادلة.
وعلى مدى ما يقارب قرنين ونصف من الزمن، ظلّت هذه العلاقة تتجدد مع كل جيل، وتتسع لتشمل اليوم مجالات الأمن والدفاع والاستثمار والتعليم والطاقة المتجددة.
هذا الامتداد التاريخي يمنح العلاقات بين البلدين بعدًا فريدًا، فهي ليست علاقة حليفين ظرفيين، بل علاقة دولتين اختبرتا بعضهما في السراء والضراء، وخرجتا أقوى في كل مرة.
مغربية الصحراء موقف أميركي راسخ
من أبرز الرسائل التي حملها السفير الجديد تأكيده المتجدد على أنّ موقف الولايات المتحدة من قضية الصحراء المغربية ثابت وواضح فقد ذكّر بموقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أعلن في أبريل الماضي أنّ مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب هي "الحل الواقعي والوحيد" لتسوية هذا النزاع الإقليمي، مؤكّدًا دعم بلاده الكامل لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
كما أشار بوكان إلى أنّ الرئيس دونالد ترامب كان قد دعا الأطراف المعنية إلى الانخراط دون تأخير في مفاوضات على أساس المبادرة المغربية، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إنتاج حلٍّ دائمٍ ومقبولٍ من الجميع.
هذا الموقف لا يعكس فقط استمرارية في السياسة الأميركية، بل يعبّر أيضًا عن إدراك واشنطن للدور المحوري للمغرب في استقرار المنطقة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الهجرة غير النظامية.
الاقتصاد لغة التحالف في القرن الجديد
لم يقتصر السفير بوكان على الجانب السياسي، بل قدم رؤية اقتصادية متكاملة تؤكد أنّ التعاون الاقتصادي أصبح الوجه الجديد للدبلوماسية بين الرباط وواشنطن.
فقد دعا إلى توسيع حضور الاستثمارات الأميركية في مختلف مناطق المملكة، وخاصة في الأقاليم الجنوبية، معتبرًا أنّ المغرب يمثل “شريكًا اقتصاديًا نموذجيًا” بفضل إصلاحاته الهيكلية وانفتاحه على التكنولوجيا والطاقات النظيفة.
وتلتقي هذه الرؤية مع الخيارات التنموية الكبرى التي يقودها المغرب تحت توجيهات جلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من التنمية المندمجة للأقاليم الجنوبية رهانًا استراتيجيًا لتعزيز النمو الوطني والانفتاح الإفريقي.
دوك بوكان سفير برؤية اقتصادية
يأتي السفير الجديد إلى الرباط بخلفية تجمع بين الخبرة المالية والدبلوماسية، إذ سبق أن شغل منصب سفير الولايات المتحدة في إسبانيا وأندورا (2017–2021)، ويُعرف بقدرته على الربط بين منطق السوق ومنطق الدولة.
اختيار واشنطن له ليس صدفة، بل يعكس رغبة في إعطاء دفعة جديدة للدبلوماسية الاقتصادية الأميركية في إفريقيا، من بوابة الرباط تحديدًا.
نحو شراكة ذكية ومتصاعدة
من الواضح أنّ العلاقات المغربية الأميركية تتجه اليوم نحو مرحلة أكثر نضجًا وواقعية، قائمة على المصالح المشتركة والرؤى المتقاربة، فالمغرب بالنسبة للولايات المتحدة حليف موثوق وشريك استراتيجي في محيطٍ معقد، والولايات المتحدة بالنسبة للمغرب شريك أساسي في التنمية والاستثمار والدفاع المشترك عن قيم الاستقرار والانفتاح.
إنّ تعيين دوك بوكان ليس مجرد حدث دبلوماسي، بل هو رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ واشنطن ترى في المغرب حليفًا طويل الأمد، ونقطة ارتكازٍ لاستراتيجيتها الإفريقية والمتوسطية.
وفي عالمٍ يزداد اضطرابًا، تبقى العلاقات المغربية الأميركية نموذجًا نادرًا لتحالفٍ يتجدد بمرور الزمن دون أن يفقد بوصلته أو عمقه. وإذا كانت سنة 1786 قد أرست أول لبنة في هذا الصرح الدبلوماسي، فإنّ سنة 2025 تُعلن عن ولادة مرحلة جديدة من الشراكة الذكية، عنوانها: الثقة، والاستقرار، والمصالح المشتركة.