المغرب وفرنسا يوقعان خطة عمل لتعزيز التعاون القضائي
الرباط - وقعت باريس والرباط اليوم الاثنين خطة عمل للتعاون التقني في مجال العدالة للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2028 وذلك خلال ثاني زيارة يؤديها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى المغرب في أقل من عام، مما يعكس كثافة التنسيق وحرص باريس على تعزيز التنسيق مع المملكة، في ظل قناعة فرنسية متزايدة بالدور الريادي الذي تلعبه في مكافحة كافة أشكال الجريمة العابرة للحدود، بعدما لمست نتائج ملموسة لهذا التعاون على أمنها القومي.
وتشمل الخطة عدة مجالات للتعاون، أبرزها "دعم تحديث الإدارة القضائية، وتعزيز قدرات الموارد البشرية، وتبادل الخبرات حول المستجدات التشريعية"، إضافة إلى التنسيق في المحافل الدولية.
وفي تعليقه على الاتفاق، قال وزير العدل المغربي عبداللطيف وهبي إن العلاقات بين البلدين "تقوم على شراكة تاريخية تتجاوز التعاون القطاعي"، معتبرا أن قطاع العدالة يمثل "ركيزة أساسية لدعم الحكامة الجيدة وترسيخ دولة القانون". من جانبه، وصف الوزير الفرنسي الشراكة بين الرباط وباريس بـ"المتينة والقابلة للتطور".
وشهد التنسيق بين البلدين تطوراً نوعياً في الآونة الأخيرة؛ ففي يناير/كانون الثاني الماضي، سلم المغرب لفرنسا أحد أبرز قادة الشبكات الإجرامية الناشطة في تهريب المخدرات بمدينة مارسيليا، وهي الخطوة التي عكست مستوى عالياً من الثقة المتبادلة بين المؤسستين القضائيتين في البلدين.
نجاحات ميدانية وقضايا "تقنية" معقدة
لم يتوقف التعاون عند الجرائم التقليدية، بل امتد لمواجهة أنماط مستحدثة من الإجرام، حيث أوقفت السلطات المغربية في مدينة طنجة شخصاً تورط في عمليات اختطاف مرتبطة بتبييض الأموال الرقمية، وهو ملف تقني يتسم بالتعقيد. كما سلمت الرباط لباريس مشتبهاً فيهما بتهمة التواطؤ مع تاجر مخدرات فرنسي خطير، لتورطهما في هجوم دموي استهدف سيارة نقل سجناء في فرنسا أسفر عن مقتل حارسين.
وحظيت هذه العمليات، وخاصة قضية "فرار السجناء"، بإشادة واسعة على أعلى المستويات في باريس، حيث اعتبرتها السلطات الفرنسية دليلاً قاطعاً على الاستجابة القضائية السريعة والفعالة من قبل المغرب.
أجندة الزيارة: الحزم في مواجهة الشبكات
وأكد الوزير الفرنسي، في منشور له على منصة "إكس" عقب لقائه بسفيرة الرباط لدى باريس سميرة سيتايل نهاية الأسبوع الماضي، أن الهدف المحوري لزيارته المرتقبة إلى المغرب هو العمل بأقصى درجات الحزم ضد شبكات الاتجار بالمخدرات.
وأفادت مصادر مطلعة بأن دارمانان سيبحث مع المسؤولين المغاربة عدة ملفات إستراتيجية، من أبرزها مكافحة الاتجار الدولي بالمخدرات وتفعيل آليات مرنة لتحديد هوية المطلوبين الفرنسيين المشتبه بوجودهم في المغرب، ومواجهة الاحتيال المالي وتبييض الأموال عبر الوسائط التكنولوجية والعملات المشفرة.
الخبرة المغربية: "فلتر" أمني عالمي
ويعكس هذا التعاون اعترافاً دولياً بـ"الاحترافية المغربية" في تدبير الملفات الأمنية المعقدة، إذ تحول المغرب إلى "فلتر" أمني عالي الدقة في منطقة حوض المتوسط، بفضل قدرته على المزج بين الاستباقية الميدانية والصرامة القضائية.
وتعتمد الأجهزة الأمنية المغربية، وعلى رأسها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والشرطة القضائية، على سرعة فائقة في معالجة "النشرات الحمراء" الصادرة عن الإنتربول. ويتجلى ذلك بوضوح في قضية شركاء المطلوب الفرنسي "محمد عمره"، الملقب بـ"الذبابة"، حيث نجح الأمن المغربي في تحديد مكانهم وتوقيفهم بمدينة مراكش في غضون ساعات قليلة من تلقي طلب التعاون، فيما وصفته الأوساط القضائية بباريس بـ"الاستجابة القياسية".
تعاون عابر للقارات
ولم تقتصر هذه الخبرة على الجوار الأوروبي، بل امتدت لتشمل دولاً بعيدة؛ كما حدث في عملية "Fox Hunt" التي أسفرت عن تسليم مطلوب اقتصادي للصين، وتوقيف مواطن دنماركي بمطار محمد الخامس مطلوب في قضايا مخدرات، وذلك بتنسيق وثيق مع المكتب الأميركي لمكافحة المخدرات (DEA).
وتثبت هذه التطورات أن الإطار المرجعي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بين الرباط وباريس قد دخل مرحلة النضج الكامل، حيث تغلبت المصالح الأمنية العليا والقيم القضائية المشتركة على كافة التحديات السابقة، مما يفتح الباب أمام عهد جديد من التعاون المؤسساتي المتين والمستدام.