المغرب يرسخ مكانته شريكا موثوقا في هندسة الأمن العالمي

المغرب لم يعد مجرد بلد متعاونا أمنياً، بل أصبح ركيزة رئيسية في الأمن الإقليمي والدولي.

مراكش - لم يكن انتخاب الرئيس الجديد لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" خلال اجتماعها السنوي في مراكش حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة كاشفة عن حجم المكانة التي بات المغرب يحتلها داخل منظومة الأمن الدولي، فالدعم الواضح الذي حظي به المرشح الفرنسي لوكاس فيليب من قبل الرباط لم يعكس مجرد علاقة تعاون ثنائي، بقدر ما كشف عن موقع ريادي يتعزّز عاماً بعد عام للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في مواجهة التحديات العابرة للحدود، وعلى رأسها الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.

واحتضان المدينة الحمراء للدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول لم يكن مجرد خيار تنظيمي، بل رسالة سياسية وأمنية تقرأ في سياق تثبيت المغرب مركزه كفاعل مسؤول قادر على تأمين فضاءات الحوار الدولي، وتوفير الظروف العملية لبلورة رؤى مشتركة تهم الأمن العالمي.

وقد عبّر الرئيس الجديد للإنتربول عن هذا المعنى بوضوح عندما اعتبر أن انتخابه في المغرب "انتصار مشترك"، مشيداً بما وصفه بـ"المستوى المدهش للالتزام المغربي" في تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم.

وهذا الاعتراف الدولي لا ينفصل عن التحولات العميقة التي شهدها النموذج الأمني المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت المملكة من موقع المتلقي للتعاون إلى فاعل مبادر، يملك قدرة حقيقية على التأثير في التوجهات الكبرى للتعاون الشرطي المتعدد الأطراف.

ووضع الرئيس الجديد للمنظمة منذ البداية خريطة طريق تقوم على تحقيق "توازن بين القارات" و"التلاقي بين العمل الميداني والاستراتيجية". وهي رؤية تنسجم تماماً مع ما يدافع عنه المغرب داخل جميع المنتديات الأمنية، حيث يلحّ على ضرورة تبادل المعلومات وتقوية الردع الاستباقي، وخلق شراكات تترجم إلى نتائج ملموسة وليس فقط إلى تعهدات سياسية.

ويتضح من إشادته الخاصة بالدعم المغربي ومن حديثه عن "الانتصار المشترك" أن الرباط لم تعد طرفاً محايداً في النقاشات العالمية حول الأمن، بل باتت شريكاً يبنى عليه في رسم سياسات الإنتربول، سواء على مستوى تحديث آليات التتبع والملاحقة، أو في ما يتعلق بإعادة تعريف مفهوم الشرطة الدولية القريبة من المواطن، وهو المفهوم الذي ينسجم مع فلسفة التدبير الأمني المغربي الذي يقوم على المقاربة الاستباقية وقوة التحليل المعلوماتي.

الانتربول يوشح حموشي بأرفع الأوسمة تكريما للمغرب ودوره الريادي في قضايا الأمن الاقليمي والدولي
الانتربول يوشح حموشي بأرفع الأوسمة تكريما للمغرب ودوره الريادي في قضايا الأمن الاقليمي والدولي

ولعل أوضح تجليات هذا الاعتراف الدولي منح المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبداللطيف حموشي، وسام الإنتربول من الطبقة العليا، وهو من أرفع الأوسمة التي تمنحها المنظمة لكبار الفاعلين الأمنيين عبر العالم.

وهذا التوشيح لم يكن إجراءً رمزياً، بل جاء تتويجاً لسنوات من العمل المكثف الذي جعل المغرب محطّاً لثقة أجهزة أمنية غربية وإفريقية وعربية في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

لقد لعبت أجهزة الأمن المغربية دوراً محورياً في تفكيك عدد كبير من الشبكات الإرهابية الدولية، وفي إحباط عمليات كانت تستهدف دولاً أوروبية بشكل مباشر. كما قدمت للمصالح الأمنية الأوروبية معلومات حاسمة مكنت من تحديد هويات متورطين في هجمات إرهابية كبرى، ما جعل الرباط توصف في عدة تقارير دولية بأنها "حليف لا يمكن تعويضه" في الأمن الإقليمي.

وبقدر ما يشيد وسام الإنتربول بعمل المغرب، بقدر ما يعكس أيضاً قناعة دولية بأن المقاربة المغربية القائمة على المهنية العالية، والعمل الاستباقي، ومراقبة التراب الوطني بوسائل تقنية وبشرية متطورة، أصبحت نموذجاً قابلاً للتعميم.

والجريمة المنظمة، كما أكد الرئيس الجديد للإنتربول، لم تعد ملفاً هامشياً، بل تحوّلت إلى أحد أخطر تحديات القرن الجديد، خصوصاً مع ارتباطها بشبكات تهريب البشر، وغسيل الأموال، والاتجار الدولي في المخدرات، وتمويل الإرهاب. ولعل هذا التحول هو ما جعل الرباط تطوّر قدراتها في هذا المجال، ليس فقط لحماية حدودها، بل للمساهمة في ضبط منظومة أمنية إقليمية واسعة.

ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى التعاون المتزايد بين المغرب ودول غرب إفريقيا لمكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، وهو تعاون مكّن من تفكيك عشرات الشبكات العابرة للحدود، ومنع تحويل المنطقة إلى معبر مفتوح نحو أوروبا. وتشير المعطيات الدولية إلى أن المغرب بات يلعب دور "صمام أمان" في هذا الملف، من خلال استراتيجية شمولية تجمع بين المقاربة الأمنية والبعد الإنساني وسياسات الإدماج.

كما لا يمكن فصل هذا الدور عن موقع المغرب كبلد عبور وبلد مصدر للمعلومات الحيوية حول طرق التهريب ومساراتها، وهو ما جعل العديد من الدول الأوروبية تعتمد على الرباط كشريك رئيسي لتحجيم المخاطر الناجمة عن شبكات الهجرة غير الشرعية.

والنجاح الكبير للدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول، كما عبّر عنه مسؤولون دوليون، جاء ليؤكد أن المغرب لا يقدم فقط فضاءات تنظيمية لاحتضان المؤتمرات، بل يعرض نموذجاً أمنياً متماسكاً، ورؤية سياسية تجعل الأمن جزءاً من التنمية وليس نقيضاً لها. وهنا تبرز قوة النموذج المغربي الذي استطاع الجمع بين الانفتاح الاقتصادي والاستقرار السياسي وتطوير المؤسسات، وهو ما جعل المملكة تُمنح الثقة لاحتضان فعاليات كبرى، من بينها كأس العالم 2030.

وقد عبّر اللواء أحمد الريسي، رئيس الانتربول المنتهية ولايته، عن هذا المعنى عندما وصف التجربة المغربية بأنها "نموذج حي للقيم الحقيقية للشرطة: الخدمة والثقة والاحترام".

وتؤكد المعطيات المتراكمة أن المغرب يتحول تدريجياً إلى فاعل محوري في بناء "الجيل الجديد" من التعاون الأمني العالمي، فالمقاربة المغربية التي شدّد عليها عبداللطيف حموشي في كلمته أمام المشاركين في الجمعية العامة تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الأمن مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر شبكة مترابطة من الشراكات تقوم على الاحترام المتبادل وتبادل المعلومات والمجهود الجماعي.

وهذا التصور يجد صداه عالمياً، خصوصاً مع صعود التهديدات غير التقليدية وتزايد الحاجة إلى بنية أمنية مرنة وقادرة على الاستجابة السريعة. وهنا يظهر المغرب شريكاً جدياً، موثوقاً، وقادراً على لعب دور قيادي في محيطه الإقليمي وفي المنتديات الأمنية الدولية.

وما بين نجاح مراكش في احتضان أهم حدث شرطي عالمي، وتوشيح المسؤول الأول عن الأمن المغربي بأرفع أوسمة الإنتربول، وما بين اعترافات دولية بوزن المملكة داخل منظومات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، يتأكد أن المغرب لم يعد مجرد بلد متعاون أمنياً، بل أصبح ركيزة رئيسية في الأمن الإقليمي والدولي، وشريكاً موثوقاً يساهم في إعادة تشكيل هندسة التعاون الشرطي العالمي على أسس الفعالية، التوازن، واحترام سيادة الدول.