المغرب يطرح على الجزائر وبوليساريو نسخة محينة لمبادرة الحكم الذاتي

طرح المغرب نسخة محينة من مبادرة الحكم الذاتي على الجزائر وبوليساريو في مفاوضات مرتقبة يضع الأطراف الرافضة للتسوية أمام اختبار إنهاء النزاع، أو الاستمرار في سياسة المناورات.
مفاوضات في مدريد برعاية أميركية لتعزيز مبادرة الحكم الذاتي المغربية
مبادرة الحكم الذاتي تكتسب زخما أكبر بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797
واشنطن تدفع لانخراط الجزائر وبوليساريو وموريتانيا في مفاوضات تنهي نزاع الصحراء

مدريد - تستضيف العاصمة الإسبانية مدريد، الأحد، محادثات مرتقبة حول مستقبل الصحراء المغربية، برعاية الولايات المتحدة الأميركية، بمشاركة المغرب والجزائر وجبهة بوليساريو وموريتانيا وهي الأطراف المعنية بالنزاع المفتعل في الصحراء بعد أن كان الجانب الجزائري يقدم نفسه مراقبا لا شريكا في الأزمة وتملص مرارا من آلية الموائد المستديرة في السنوات القليلة الماضية.

 وتأتي هذه الجولة بعد اعتماد مجلس الأمن القرار الأممي رقم 2797، الذي أقر مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وقابل للتطبيق للنزاع المفتعل في الأقاليم الجنوبية، ما يمهد الطريق أمام مفاوضات مباشرة مع الأطراف الفعلية للنزاع.

ويستعد المغرب لعرض نسخة محينة من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها عام 2007، في وثيقة تفصيلية تقع في نحو 40 صفحة، تشمل تصورات واضحة لتدبير الأقاليم الجنوبية تحت سيادة المملكة. وتأتي هذه المبادرة في وقت يواصل فيه مجلس الأمن دعوته لكل الأطراف، بما فيها الجزائر، للمشاركة في مفاوضات جادة على أساس الحكم الذاتي، بعد أن أظهر التصويت داخل المجلس دعمًا واسعًا للقرار الأميركي، حيث صوتت 11 دولة لصالحه، وامتنعت ثلاث دول، فيما لم تشارك الجزائر في عملية التصويت.

وأكدت صحيفة 'إل كونفيدينثيال' الإسبانية أن هذه المحادثات ستشهد مشاركة ممثلين عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار إشراف مباشر على الحوار بين الأطراف. ومن المتوقع أن تشكل هذه الجولة محطة مهمة لتحويل التفاهمات السياسية والدبلوماسية إلى خطوات عملية، بعد عقود من إدارة النزاع بأسلوب إجرائي وتحكيمي يطيل أمد الأزمة.

وتعكس هذه المبادرة المغربية الجديدة تحوّلًا نوعيا في مسار النزاع، إذ تنقل النقاش من إطار شعارات "تقرير المصير" التقليدية، التي ما تزال الجزائر وجبهة بوليساريو متمسكة بها، إلى منطق الحلول الواقعية المبنية على السيادة المغربية والحقوق المعترف بها دوليًا للأقاليم الجنوبية. وبذلك، يسعى المغرب إلى فرض جدية المفاوضات ورفع سقف الطرح العملي الذي يمكن أن يقبل به المجتمع الدولي، بدل استمرار النزاع المفتعل الذي يطول لأكثر من أربعة عقود دون أي حل.

وتشير التحليلات السياسية إلى أن الرعاية الأميركية لهذه الجولة تعكس إدراك واشنطن لأهمية إنهاء النزاع قبل أن تتحول أزماته إلى عوامل توتر إقليمي أوسع، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه منطقة الساحل والصحراء. كما أن اختيار مدريد لاستضافة المحادثات ليس عشوائيًا، بل له رمزية تاريخية وسياسية، ويتيح للأطراف التفاوض في بيئة محايدة نسبيًا بعيدًا عن الضغوط المباشرة داخل الرباط أو الجزائر.

وتفكك هذه التطورات في ملف نزاع الصحراء سردية لطالما سوقت لها الجزائر التي تدعم جبهة بوليساريو سياسيًا وماليًا وعسكريًا، بتقديم نفسها كطرف مراقب، رغم أنها طرف فاعل في النزاع. كما يشير التحول النوعي في مسار المفاوضات خاصة بعد دعوة مجلس الأمن صراحةً لكل الأطراف للتفاوض على أساس الحكم الذاتي، إلى أن الجزائر لم تعد تستطيع التمسك بصفة المراقب في نزاع هي متهمة بتأجيجه واطالة أمده، حيث وضعها هذا التحول أمام اختبار مباشر لمسؤولياتها تجاه النزاع، ويبرز الانحياز الدولي المتزايد لمقاربة المغرب الواقعية.

وتعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية، كما تُبرز النسخة المحينة، محاولة لتقديم صيغة تضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية، بما يحفظ السيادة المغربية، ويتيح استقرارا سياسيًا واقتصاديًا، فيما يظهر وفق تجليات المشهد الراهن أن الجزائر وجبهة بوليساريو لم تعد تمتلكان هامشا واسعا للمناورة كما في السابق وتواجهان ضغوطا متزايدة للتخلي عن سردية "تقرير المصير" وهو المطلب الذي بات من الماضي وفقد زخمه إقليميا ودوليا، وتحول إلى أداة لإدامة النزاع بدل حله.

ويشارك في هذه الجولة أيضًا ممثلون عن موريتانيا، في خطوة تؤكد البعد الإقليمي للنزاع وأهمية إشراك الدول المجاورة لضمان أي حل مستدام، فالاستقرار في الأقاليم الجنوبية لا يؤثر على المغرب وحده، بل يمتد أثره على الأمن والتنمية في منطقة الساحل والصحراء، حيث الهشاشة الأمنية والتحديات الاقتصادية مستمرة.

وفي ضوء هذه المستجدات، يمكن قراءة مبادرة المغرب في مدريد على أنها محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة الدبلوماسية، عبر تقديم عرض مفصل وواقعي للحكم الذاتي، مدعوم بدعم أممي وأميركي، يضع الأطراف الرافضة للتسوية أمام اختبار جدي: الانخراط في مفاوضات حقيقية لإنهاء النزاع، أو الاستمرار في سياسة المناورات السياسية التي باتت مكشوفة أمام المجتمع الدولي.

وتمثل محادثات مدريد محطة مفصلية في مسار ملف الصحراء المغربية، ليس فقط لأنها تجمع الأطراف على طاولة واحدة، بل لأنها تعكس تحوّلًا في ميزان الشرعية الدولية لصالح مقاربة الحكم الذاتي، وتحول النقاش من شعارات نظرية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق، بما يمهد الطريق لإنهاء أحد أقدم النزاعات في إفريقيا. ومع تصاعد الضغوط الدولية، يبدو أن الكرة أصبحت الآن في ملعب الأطراف الرافضة للتسوية، في حين يراهن المغرب على أن الواقعية السياسية ستفرض، عاجلًا أم آجلًا، نهاية للنزاع المفتعل.