المقاربة السوسيولوجية في نقد السينما المغربية

تحليل أفلام تحاكي الهوية المغربية الامازيغية والصحراوية يحتاج دراسة جادة في مجمل تاريخ تحولات الثقافة المحلية قبل الدولية.

تتجه السينما المغربية خلال العقدين الأخيرين نحو تمثيل قضايا المجتمع المغربي جنوب الصحراء في سياق تحولات سياسية واقتصادية وثقافية قوية. ويستدعي هذا التوجه بروز خطاب نقدي يستلهم مبادئ المقاربة السوسيولوجية، قصد فهم التمثلات الاجتماعية التي تصوغها الكاميرا، وتفكيك أنماط الخطاب البصري الذي يعيد إنتاج صور معينة عن الواقع كالصحراء المغربية نمودجا. فيُصبح السؤال جوهرياً: هل يلتقط النقد السينمائي نبض الشارع وتغيراته، أم يكتفي بمفاهيم جاهزة تستورد مرجعيتها من خارج سياقات التلقي المغربي؟

ويبرز الناقد السوسيولوجي أهمية قراءة الفيلم بوصفه وثيقة اجتماعية تحلل البنى الطبقية والرمزية داخل المجتمع، إذ يعتمد في ذلك على تحليل الشخصيات والهامش الحضري والفضاء المنكوب والمهمش والعنف المتولد عن التفاوتات الاجتماعية. ويصير الفيلم مجالاً للكشف عن التحول الاجتماعي والسياسي والثقافية،  وهذا يجعل النقد الأجوف المنحاز للمهرجانات مجرد دعاية فارغة لا تقبض على الواقع.

ويُظهر الواقع أن الكثير من النقاد يكررون مقولات نظرية منفصلة عن الثقافة المغربية، فلا يقترب الخطاب النقدي من الفقر والبطالة والفساد ولا يسائل الأداء السياسي والاقتصادي. ويكتفي بعضهم بمدح اللغة السينمائية تطبيلا للتقنيات الإخراجية أو جماليات الصورة، متجاهلين حجم الأزمات والاختلالات التي تصرخ بها الكاميرا. ويُعتبر هذا النوع من النقد بديلاً عن فهم الفيلم كتعبير عن أزمة مجتمع مغربي ينسى ان أكل أموال دعم المهرجانات والافلام يعد خيانة للوطن.

ويعيد النقد السوسيولوجي الاعتبار للمهمشين الذين يتسللون إلى الشاشة عبر سرديات تبين الصراع من أجل العيش. ويعالج قضايا الأسرة والهوية المغربية والسياسة الاجتماعية من خلال رؤى تتقاطع مع علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا. ويكشف عن الخطاب المضمَر خلف ما يُعرض على الشاشة، أي لغة الصورة ورموزها وثقافة الجسد وتمثيل السلطة، فينتقل من وصف الفيلم إلى تفكيك بنيته الدلالية والسياقية.

ويسائل هذا النهج دور السينما في صنع وعي فردي اولا ثم أسري  ثم اجتماعي ، ويتفاعل مع التحولات الراهنة التي يعرفها المغرب: صعود الفردانية، التحولات الأسرية، الهجرة غير النظامية، الحراك الثقافي، وتفكك القيم التقليدية.

ويُظهر الناقد الكيفية التي تستوعب بها السينما هذه التغييرات، وما إذا كانت تقدّم حلولاً تعبيرية أو تكتفي بفضح الاختلالات دون تملك أدوات الرؤية، ويجعل من الفيلم مرآة مجتمعية لا تنفصل عن صراعات الشارع وأحلام المواطن.

ويدعو هذا التوجه إلى تأسيس مرجعية نقدية مغربية تنطلق من واقعها الاجتماعي والثقافي، وترفض الاستيراد الأعمى للنظريات السوسيولوجية التي لا تلائم خصوصية المتلقي المحلي. ويقتضي ترسيخ هذا التحول تكوين نقاد يمتلكون أدوات تحليل سوسيولوجي مغربي المنهج، قادر على قراءة السينما بوصفها خطاباً مجتمعياً يشارك في بناء الوعي العام، ويقاوم كل محاولة لتحويل الفن إلى سلعة ترفيهية عابرة أو أداة للتلميع والدعاية.

ويُؤكد المنهج الفلسفي في النقد ايضا أن العملية برمتها هي ممارسة فكرية تنطلق من أدوات مفهومية وأسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع. ويبرهن هذا التصور على أن كل فيلم يحمل خطاباً قيمياً وسياسياً يُفترض تفكيكه وفق مقاربة عقلانية اجتماعية. ويُظهر الواقع أن النقد الذي لا يستند إلى مرجعية إجتماعية يصبح مجرد تعليق انطباعي لا يساهم في تطور الوعي السينمائي. ويثبت التاريخ أن المدارس النقدية التي تجمدت وراء قوالب ثابتة اندثرت لأنها لم تجدد أدواتها المعرفية. ويُبرز هذا المعطى أن الناقد المغربي مطالب بتجاوز التقييم التقني إلى التأويل الفكري الذي يمنح الفيلم معنى إضافياً داخل سياقه.

ويستوجب النقد السينمائي تجديداً منهجياً كل ستة أشهر على الأقل، انسجاماً مع وتيرة التحول الثقافي  التي توثقها المؤشرات الإعلامية وتغيرات الذوق العام، ويؤكد هذا الطرح أن الجمهور المغربي تغيرت اهتماماته وانتقلت تجربته من القاعات إلى المنصات الرقمية، وهذا يفرض على النقد أن يعيد طرح الأسئلة باستمرار.

ويبرز الواقع على أن الإسقاطات الخارجية والنرجسيات الفكرية تفرغ النقد من وظيفته عندما ينقل مفاهيم غريبة عن المجتمع دون تكييف. ويبرهن ذلك على ضرورة بناء رؤية نقدية من داخل الثقافة المغربية، تحمي خصوصيتها البصرية وتستجيب لتحولاتها الاجتماعية المتسارعة. ويعني ذلك أن كل تجديد منهجي هو فعل مقاومة لأي خطاب مستورد لا يعبر عنّا.