المكتبة العُمانية... من الذاكرة الورقية إلى المستقبل الرقمي
تُعدّ المكتبات العُمانية ركيزة أساسية في المشهد الثقافي الوطني، إذ تمثل ذاكرة الوطن وتحفظ تاريخه، وتشكل مصدرًا معرفيًا وحضاريًا يسهم في بناء الإنسان العُماني الواعي بثقافته وتاريخه وهويته. فمنذ البدايات الأولى، أدركت سلطنة عُمان أهمية الكتاب والمكتبة في نشر العلم والمعرفة، مما أدى إلى إنشاء مختلف أنواع المكتبات، من المكتبة الوطنية إلى المكتبات العامة والأهلية، وصولًا إلى المكتبات الرقمية التي تواكب عصر المعلومات.
يقول الدكتور موسى بن ناص المفرجي، المشرف على مشروع مكتبة عُمان الوطنية، إن هذه المكتبة تهدف إلى إيداع المصنفات العُمانية وحماية النتاج الفكري الوطني بمختلف أشكاله التقليدية وغير التقليدية، بما يسهم في صون الذاكرة العُمانية وتعزيز الهوية الثقافية للسلطنة، مضيفا أن المكتبة تُعد منارة ثقافية ومعرفية تسعى إلى جمع وحصر وتنظيم الإنتاج الفكري العُماني، المطبوع منه وغير المطبوع، وإتاحته لكافة فئات المجتمع.
ويُشير إلى أن المكتبة المرتقبة ستضم كل ما نُشر عن سلطنة عُمان من إصدارات ومصنفات ومطبوعات حكومية ورسائل علمية، إلى جانب توثيق أعمال المؤتمرات والندوات التي تناولت الشأن العُماني، لتكون مرجعًا متكاملًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ والثقافة العُمانية.
وستضم المكتبة، حرصًا على ترسيخ مفاهيم الهوية والقيم والانتماء لدى الناشئة، مبنى مستقلاً للأطفال، يحتوي على مجموعات متنوعة من الكتب والمطبوعات والألعاب التعليمية، وكل ما يعزز ثقافة الطفل ويُنمي حب القراءة منذ الصغر، وهو ما يعكس اهتمام المشروع ببناء جيل واعٍ ومعتزٍّ بهويته.
ومن منطلق الاهتمام بدورها الأكاديمي، يوضح المفرجي أن المكتبة الوطنية ستضم قاعات متعدّدة للباحثين والدارسين، تتيح لهم بيئة مثالية للبحث والتعلم، إلى جانب أقسام متخصّصة مثل قسم المخطوطات والكتب النادرة، وقسم الدراسات العُمانية والجزيرة العربية، بالإضافة إلى قسم خاص للدراسات المتعلقة بأئمة وسلاطين عُمان، فضلًا عن الخدمة المرجعية للكتب الموسوعية المطبوعة وغير المطبوعة.
من جهته، يقول حمود بن محمد البوسعيدي، رئيس قسم تسويق المعلومات في المكتبة الرئيسة بجامعة السلطان قابوس، إن المكتبات الجامعية تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة القراءة، من خلال توفير بيئة محفزة على التعلم والمعرفة، وتنظيم فعاليات متنوعة، وتشجيع الأكاديميين والطلبة والموظفين على القراءة، بما يسهم في إعداد أجيال جامعية واعية بتراثها الحضاري والإسلامي.
ولفت إلى أن مكتبة الجامعة تضم أكثر من 4 ملايين رسالة جامعية إلكترونية، ونحو نصف مليون كتاب مطبوع وإلكتروني، إضافة إلى أكثر من 45 ألف دورية إلكترونية، واشتراكات في قواعد بيانات عالمية تغطي مختلف التخصصات، مما يدعم البحث العلمي والدراسات العليا، ويرفع من كفاءة الوعي المعلوماتي لدى الطلبة والباحثين.
وأضاف أن المكتبة الرئيسة تسعى باستمرار إلى تفعيل دورها الريادي من خلال ترسيخ ثقافة القراءة الواعية، وتنظيم الفعاليات الثقافية المتخصصة، وتبني أحدث التقنيات والخدمات الرقمية التي تُسهم في سهولة الوصول إلى المعلومات وتواكب التطورات الحديثة.
وأكد أن المكتبة تسعى أيضًا إلى توثيق وحفظ التراث الثقافي العُماني من خلال دعم المؤلفين والإنتاج الفكري العُماني، مشيرًا إلى دورها المجتمعي في إتاحة المعرفة لمختلف فئات المجتمع، وتعزيز حضورها كمركز معرفي وثقافي في السلطنة.
وبدوره، يقول منير بن ناصر البطاشي، مدير الشبكة العُمانية للبحث العلمي والتعليم بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إن الشبكة تُعد أحد المشاريع الوطنية الرائدة، وتجسّد اهتمام السلطنة بتعزيز المعرفة الرقمية، من خلال ربط مؤسسات التعليم والبحث العلمي بشبكة موحدة تتيح الوصول السلس إلى الموارد المعرفية العالمية، بما يدعم منظومة البحث والابتكار في إطار "رؤية عُمان 2040".
وأضاف أن الشبكة تُشكل حلقة وصل بين المعرفة الأكاديمية والحراك الثقافي، حيث لا تقتصر على دعم البحث العلمي فحسب، بل تسهم أيضًا في إثراء المشهد الثقافي من خلال إتاحة إيداع الإنتاج الفكري العُماني، وتمكين المؤسسات والمكتبات والمراكز الثقافية من الوصول إلى المصادر الرقمية العالمية، إلى جانب تبادل المعارف والخبرات في شتى المجالات العلمية والإنسانية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، تقول وردة بنت حسن اللواتية، رئيسة قسم المكتبة الثقافية بوزارة الإعلام، إن المكتبة تسهم في حفظ الذاكرة الإعلامية العُمانية، حيث تحتوي على أعداد من جريدتي "عُمان" و"الأوبزيرفر" منذ بدء صدورهما حتى عام 2017، بالإضافة إلى دوريات نادرة مثل مجلتي "يوليو" و"العقيدة"، إلى جانب العديد من أمهات الكتب التراثية العُمانية والعربية، ونسخ نادرة من مطبوعات تناولت سلطنة عُمان من مختلف الجوانب.
وتُوضح أن المكتبة تُعد إحدى المؤسسات الثقافية المتخصصة، وتكتسب أهمية وقيمة معرفية لما تحتويه من كتب ودوريات في مجالات الإعلام والثقافة وسائر صنوف المعرفة. كما تُقدم خدماتها للمجتمع والباحثين والمهتمين بالإعلام على اختلاف مستوياتهم، إلى جانب إطلاق المبادرات المجتمعية الهادفة إلى تشجيع القراءة والبحث العلمي.
وتابعت أن المكتبة الثقافية تعمل على بناء شراكات مع المؤسسات ذات الصلة في الإعلام والثقافة، من جامعات ومكتبات عامة ودور نشر ومتاحف، سعيًا نحو تكامل الجهود العلمية والثقافية محليًا.
ويُبيّن خميس بن راشد العدوي، رئيس مركز الندوة الثقافي ببهلا، أن المركز يسهم في الحفاظ على التراث العُماني وتعزيز الهوية الوطنية، عبر مشروع "سبلة بهلا للدراسات الحضارية"، التي تُعنى بالدراسات التاريخية العُمانية، ويشمل عملها جمع المخطوطات، وتوثيق الذاكرة الشفوية من كبار السن، ورصد كل ما يُنشر عن ولاية بهلا في الصحف العُمانية، إلى جانب تنظيم الندوات والمحاضرات.
وأفاد بأن المركز يعمل أيضًا على تأليف موسوعة للأعلام العُمانيين الذين أسهموا في مختلف مجالات الحياة، من سلاطين وأئمة وولاة وقضاة ورحالة ومستشرقين، ومن المتوقع أن تصدر في ثلاثة أجزاء على الأقل، إضافة إلى دوره كبيت خبرة يُقدم استشارات تاريخية وثقافية عن سلطنة عُمان، ويرجع إليه الباحثون من داخل السلطنة وخارجها، فضلًا عن تخصيص "غرفة الطفل" المعنية بالإنتاج المعرفي للطفولة.
وفي سياق الحديث عن دور المراكز الثقافية، أشار العدوي إلى أنها ليست مؤسسات إجرائية لتقديم المعرفة فقط، بل تُجسّد جانبًا من الملحمة الثقافية في سلطنة عُمان، وتسهم في تعزيز التواصل المعرفي والثقافي مع المؤسسات الحكومية.
ومن جانبها، تؤكد مريم بنت علي القمشوعية، صاحبة مكتبة الثعلب الأحمر، أن المكتبات تلعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي الأطفال بالقراءة، من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الطفل والكتاب، إذ ترى أن القراءة ليست مهارة فحسب، بل نافذة يطل منها الطفل على العالم، وأداة لغرس مفاهيم الهوية والقيم.
وتُشير إلى أن مكتبات الأطفال تسهم في بناء وعي مجتمعي بأهمية القراءة في تنشئة الطفل، وتسعى إلى جعل القراءة تجربة حيّة، يرى فيها الطفل الكتاب كرفيق للحياة، لا كمصدر للمعلومة فقط.
وتوضح أن في ظل العولمة والرقمنة، تتضاعف مسؤولية المكتبات ودور النشر في حماية الهوية الثقافية وتعزيزها، من خلال إنتاج كتب تنطلق من الثقافة العُمانية، لتعزز الانتماء وتُرسّخ الهوية، مؤكدة أهمية أن تكون هذه المكتبات جسرًا ثقافيًا يربط الكاتب والقارئ العُماني بالعالم العربي، لضمان حضور عُماني فاعل في الساحة الثقافية.