الملك يصنع أقلامه

حميد العماوي يخلق عبر عالمه الروائي وشخوصه إمكاناً جديداً يتيح له انتقاد سطوة المؤسسة الدينية على الحاكم والمحكوم منذ فجر التاريخ وإلى اليوم.


الملك الواحد حكم العالم في عصر العدل الإلهي يساعده وكلاء السماء في تثبيت عرشه 


التاريخ في كل عصر وزمان يكتبه المنتصرون

بيروت ـ إذا كان الحكواتي هو روائي الأمس الشفاهي، فإن الروائي هو حكواتي اليوم الكتابي. فكلاهما يمارس فتنة السرد وإن بأدوات مختلفة. وعلى هذه الخطى يُكمل الكاتب حميد العماوي في روايته "أقلام الملك" فيخلق عبر عالمه الروائي وشخوصه إمكاناً جديداً يتيح له انتقاد سطوة المؤسسة الدينية على الحاكم والمحكوم منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، فكما هو معلوم فإن الدولة في الإسلام سمّيت باسم القائمين بها، فقيل الخلافة الأموية أو الخلافة العباسية، أو الخلافة العثمانية، ولذلك كُتب التاريخ بأقلام مزيفة، أقلام الملوك والسلاطين والأتباع.
بمثل هذا الفكر تتحدث الرواية عن الملك الواحد الذي حكم العالم في عصر العدل الإلهي يساعده وكلاء السماء في تثبيت عرشه وثلاثة كتّاب في تاريخ مملكته وهم "الطبال" و"الحكواتي" و"الناسك"، وسيختار منها الملك كتاباً واحداً بعنوان "التفصيل المختصر للملك المنتصر" وسيتم اعتماده للتدريس، بعد الأمر بحرق الكتابين الآخرين. مما يؤكد لنا أن "الماضي هو مفتاح أحجية الحاضر" وأن التاريخ في كل عصر وزمان يكتبه المنتصرون.
من أجواء الرواية نقرأ:
"قبل ثمانية عشر عاماً قرر الملك أن يصنع أقلامه الخاصة، بأن يكلف أحدهم بكتابة الخطابات التهديدية الموجهة للأعداء، وآخر من أجل كتابة الاتفاقيات، وآخر للكتابة من أجل الأصدقاء والأحبة، ولكنه رأى أن عليه أن يخضعهم لمنافسة تكشف له من يصلح لهذا أو ذاك. لذا أعلن في مملكة السيف عن مسابقة أقلام الملك في تدوين تاريخ هذه الدولة، فتقدَّم إلى تلك المسابقة عدد ليس بالقليل، ولكن جلالة الملك لم يختر سوى أولئك الثلاثة، الطبال والحكواتي والناسك، وأمرهم بأن يكتبوا تأريخ هذه الدولة، فأرسلهم إلى أطلال القلعة القديمة في أقصى الشمال الغربي لمملكة السيف، واستغرقوا أشهراً قبل أن يعودوا ويعرضوا على الملك ثلاثة كتب. فاطلع الملك عليها وقرأها بتمعن وتأملها بعمق، ثم أعاد قراءتها أكثر من مرة، إلى أن غضب وناداني وأعطاني كتابين وأمرني بأن أحرقهما في الفرن بعد أن احتضن الكتاب الثالث، فخرجت من القاعة إلى المطبخ وأشعلت التنور وقبل أن ألقيهما شعرت بفضول ناحيتهما، فقمت بنسخهما بسرعة بينما كان يتناهى إلى مسامعي تقريع الملك للمؤلفين، وعندما انتهيت ألقيت بهما في النار فاحترقا بعد أن خبأت مخطوطتين طبق الأصل منهما في أحد أدراج المطبخ، إلى هنا لا أعرف ماذا حل بأولئك الثلاثة، فقد اختفوا من الوجود ومن ذاكرة الخدم في القصر، بما فيهم مؤلف الكتاب الثالث".
صدرت الرواية عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وجاءت في 352 صفحة.