المواطن الصحفي في المغرب سلطة رابعة بلا منبر وصوت للشارع
الرباط ـ يُشهر الإعلام البديل في المغرب عدسته الذكية كأداة مقاومة يومية، توثق ما لا تصل إليه الكاميرات الرسمية، فيظهر في الأحياء الشعبية والأسواق، والساحات، وفي كل مكان تنسحب منه الأضواء، ىيلتقط الأحداث في لحظتها، عبر هواتف المواطنين العاديين، ويصنع بذلك محتوى يكشف هشاشة الشعارات ويقوّض الروايات الرسمية المنمقة، كونه ينطلق من هموم الناس البسطاء، ويعري الواقع من الزخرفة المصطنعة التي تروّج لها بعض وسائل الإعلام العمومي.
ويوثق الإعلام البديل خروقات بعض رجال السلطة وتجاوزاتهم، خاصة حين يتعلق الأمر بهدم البيوت دون إشعار أو تعويض، أو انتزاع أراضٍ بدعوى المنفعة العامة، بينما لا يجد المواطن البسيط من يدافع عن حقه في الاستقرار والكرامة. وتلتقط عدسات الهاتف مظاهر العنف اللفظي والجسدي، وتحملها إلى الفضاء الرقمي، حينما تنتشر على نطاق واسع، لتخلق رأيًا عامًا يتفاعل بغضب ووعي في آنٍ واحد، ويعيد هذا الإعلام ترتيب العلاقة بين السلطة والمواطن، ويضع علامات استفهام حول آليات المحاسبة والشفافية.
ويركز الإعلام البديل مثلا على توثيق الحضور المتزايد لبعض الأفارقة جنوب الصحراء في الفضاء العام المغربي، ويعرض مشاهد من ممارسات تثير الجدل في أوساط المواطنين، عندما تُنشر مقاطع تظهر بناء كنائس غير مرخصة، والتجارة غير القانونية في المخدرات، والمواجهات المتكررة مع السلطات.
وتبرز هذه المقاطع غضبًا شعبيًا عارمًا، وتفتح نقاشًا واسعًا حول مسؤولية الدولة في تنظيم الهجرة، وضمان احترام النظام العام، وحماية كرامة الشعب المغربي دون تمييز أو استثناء.
ويكشف الإعلام البديل عن حقيقة غلاء الأسعار، دون تزييف أو تلميع، ويعرض المعاناة اليومية للمواطنين في توفير أبسط ضروريات العيش، إذ تُنقل صور من الأسواق، التي يشتكي فيها البائع والمشتري ، وتتوالى شكاوى الأسر من العجز عن مجاراة ارتفاع الأسعار، رغم الوعود المتكررة بالإصلاح والدعم،
ويبرز هذا الإعلام الإحباط الشعبي بصدق، ويمنح صوتًا للذين لا يجدون من يعبّر عنهم داخل القنوات الرسمية، كما يعري الفجوة بين واقع المواطن وخطاب الحكومة، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي تجاه القضايا الكبرى، بعيدًا عن تزييف الحقائق، بينما تُنشر محتويات تبيّن التناقض الصارخ بين صورة المغرب النموذج التي يروج لها الإعلام العمومي، وبين يوميات المواطن المطحون تحت وطأة الفقر والتهميش وهشاشة قطاع الصحة والتعليم وفساد الادارات العمومية، حينما توضح المقاطع المسجلة مواطنين يسكنون في العشوائيات، ويقصدون المستشفيات العمومية المتهالكة، ويتنقلون في وسائل نقل لا تليق بكرامة البشر.
ويتحرر الإعلام البديل من التوجيه الرسمي ومن قوالب التمويل السياسي، ويشتغل بإمكانات بسيطة، مدفوعًا بحس إنساني ومسؤولية أخلاقي، ليخرج من رحم المعاناة، ويتبنّى القضايا المسكوت عنها، ويقترح زاوية مختلفة لمعالجة الأخبار، ولا ينتظر بيانات رسمية أو مؤتمرات صحفية، ليصنع الخبر لحظة بلحظة، ويمنحه صدقية تستمد قوتها من الشارع، ومن الإنسان البسيط الذي وجد في الهاتف وسيلة للتعبير والمواجهة.
ويدفع الإعلاميون المستقلون ثمنًا باهظًا لجرأتهم، ويتعرض بعضهم للملاحقة، والمضايقات، أو حتى المحاكمات، بسبب ما ينشرونه، وتعيش هذه الفئة تحت ضغط دائم، لكنها تواصل التصوير والتوثيق والنشر، متسلحة بحب الوطن والإيمان بضرورة قول الحقيقة. وتساهم هذه المقاومة الرقمية في بناء وعي نقدي لدى الجيل الجديد، وترسي ثقافة المواطنة والمساءلة في زمن الخضوع والتواطؤ.
يصوغ هذا الإعلام البديل مسارًا جديدًا لفهم الواقع المغربي، ويعيد تعريف دور الإعلام في المجتمع، بوصفه سلطة شعبية، وممارسة مدنية حرة، تنمو على هامش الإعلام الرسمي، لكنها تزداد تأثيرًا وانتشارًا بفضل وسائل التواصل، وبفعل العطش الجماهيري للمعلومة الصادقة، ويفتح نقاشًا وطنيًا حول مفهوم الشفافية، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم: من المواطن المغربي الحر إلى صانع القرار الذي يصل صوته للجمعيات الإنسانية الدولية التي تثق بشعارات الاعلام الرسمي المطبل، ويكشف لها ما يجري في المستشفيات العمومية، والقرى النائية، ومؤامرات تخريب التعليم، وتخريب الدين الاسلامي، وخلق الفتن بين الشعب المغربي المتعدد الثقافات.