الهجرة غير الشرعية بين مصر والدول الأوروبية
القاهرة - فتح مصرع 12 شابا مصريا على مركب في عرض البحر المتوسط قبل أيام قليلة، ملف الهجرة غير الشرعية مجددا. نكأ جرحا مسكوت عنه حول تزايد عمليات تهريب البشر من مصر إلى سواحل ليبيا، ومنها إلى بعض الدول الأوروبية. بعد أن أحكمت القاهرة سيطرتها الأمنية على هذا الملف، وأكدت تقارير غربية عدم وجود تهريب منها إلى أوروبا. ماذا حدث ليطل هذا الملف برأسه مرة أخرى؟
وصلت العلاقات بين مصر وأوروبا، خاصة دول شمال البحر المتوسط، إلى مستوى متقدم من التعاون والتنسيق في ملف الهجرة غير الشرعية. حظيت القاهرة بإشادات في أوقات سابقة عقب تمكنها من سد جميع المنافذ أمام المتسللين ومهربي المخدرات ونشطاء في الجماعات الإرهابية طوروا تعاونهم معا. جماعات متطرفة استفادت من بعض السفن التي تحمل مهاجرين غير شرعيين وتجوب البحر المتوسط، شرقا وغربا، من أجل تهريب أسلحة ومتطرفين إلى سواحل مصرية.
لم يكن التعاون المصري مع الجانب الأوروبي في ملف الهجرة الشرعية راجعا إلى تقديم الثاني مساعدات اقتصادية أو لرغبة في حماية أمن الدول الأوروبية، لكنه كان في الأصل وسيلة لمكافحة التنظيمات الإرهابية التي تبيّن أنها تستغل مراكب الهجرة غير الشرعية لتوجيه ضربات للأمن القومي المصري، واحداث فتنة بين القاهرة وعواصم غربية. من هنا رفعت المؤسسة العسكرية بمصر جاهزيتها لغلق هذا الباب.
وفي عام 2016 الذي بلغت فيه عمليات تطويق المتطرفين داخل مصر وخارجها ذروتها، أعلنت منظمات أوروبية أن الهجرة غير الشرعية عبر السواحل المصرية وصلت حد الصفر، أي لم تسجل حالة تهريب بشر واحدة في ذلك الوقت. ما يعني إحكام السيطرة تماما على المنافذ البحرية. على إثر ذلك بدأت تتوالى الإشادات. ما الذي حدث لتتزايد هجرة مصريين بصورة غير شرعية عبر السواحل الليبية؟
ويمكن رصد مجموعة من العوامل التي لعبت دورا مهما في عودة ملف الهجرة غير الشرعية إلى الواجهة. في مقدمتها التركيز مع حالات الضحايا المصريين لإحراج حكومتهم سياسيا وأمنيا، وحثها على بذل المزيد من الجهود لغلق بعض الثغرات التي يتم توظيفها من أجل تسريع وتيرة الهجرة إلى ليبيا واستغلال حالة السيولة في جزء كبير من أراضيها وسواحلها. بعد أن تشكلت عصابات متخصصة في الاتجار بالبشر من خلال الحصول على أموال مقابل الوصول إلى أماكن قريبة من سواحل أوروبا، بلا ضمانات أمنية تضمن اتمام عمليات الهجرة غير الشرعية وتحقيق غرضها.
أدى نجاح الأجهزة الأمنية في القضاء على الإرهاب والتخلص من غالبية المتطرفين والجماعات التي تدعمهم إلى اطمئنان القاهرة لعدم وجود استهدافات مباشرة للتخفي وراء تهريب البشر من وإلى مصر. خفّت القبضة الأمنية على السواحل التي تأتي منها أسلحة ومتطرفين. باعتبارهما هدفا رئيسيا لتشديد القبضة الأمنية، التي قوّضت الهجرة غير الشرعية بالتبعية، ووجدت استحسانا من دول غربية. حصدت القاهرة من وراء ذلك بعض المساعدات والوعود الاقتصادية السخية، لكنها لم تكن كافية لتحمل التكاليف الباهظة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، واستقبال مهاجرين ولاجئين في مصر بعد اتساع الصراعات في دول عربية وأفريقية.
أسهم تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر بدور فعال في حض كثير من الشباب على البحث عن عمل يدر دخلا مناسبا لهم. ما دفع شريحة منهم للتفكير في الهجرة غير الشرعية بعد تقديم مغريات تطمئنهم على إمكانية الوصول إلى أوروبا بسهولة، وعبر تكلفة زهيدة نسبيا من خلال السواحل الليبية التي تتمتع بدرجة عالية من عدم الانضباط، مع ازدياد واضح في نشاط مافيا تهريب البشر هناك، وتشكيل تحالفات قوية بينها، وتوفير قاعدة لوجستية تجعل فرص التسلل إلى جنوب أوروبا أقل صعوبة.
كما أن بعض المساعدات الاقتصادية التي قدمتها الاتحاد الأوروبي أو وعد بتقديمها إلى مصر ربطت بين ملفات سياسية وحقوقية وقانونية داخلية وبين استقبال ورعاية المزيد من المهاجرين من دول مختلفة. الأمر الذي أبدت القاهرة عليه تحفظات بسبب تأثيره على الأمن القومي للبلاد، وما سوف يحدثه من خلل في هياكل التركيبة الديموغرافية مستقبلا، وما سيحمله من انعكاسات اجتماعية سلبية.
في ظل المقاربة الأوروبية المشروطة والتحفظات المصرية حدثت فجوة صامتة بين الجانبين، أرخت بظلالها على آليات التعامل الرسمي مع ملف المهاجرين غير الشرعيين. حيث تريد الدول الغربية تحميل مصر مسؤولية كبيرة بلا عوائد اقتصادية تتواءم مع المتطلبات والجهود المبذولة. فضلا عن ضرورة أن تشعر هذه الدول بفداحة المهمة الأمنية، وأهمية توفير المساعدات التي تحتاجها للتصدي لها بصرامة.
ظهرت ملامح الأزمة المكتومة بين الطرفين مع تفاقم مشكلتين. الأولى: تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين والمقيمين في مصر عقب انتشار صراعات ونزاعات وحروب إقليمية، قذفت بكثير من المهاجرين خارج بلدانهم. كانت وجهة جزء كبير منهم مصر بسبب قدرتها على استيعاب الملايين في السنوات الماضية، وسهولة إجراءات دخول البلاد بطرق قانونية وغير قانونية. وادخارها هذا الملف ليوم قد تضطر فيه لاستخدامه كوسيلة للدفاع عن مصالحها والتصدي لمخططات وترتيبات قد تستهدفها.
المشكلة الثانية: تعرض القاهرة لضغوط سياسية وأمنية لاستقبال مهاجرين من قطاع غزة، وتضامن بعض الدول الغربية ومع إسرائيل في عملية تهجير فلسطينيين إلى مصر. وهو ما ردت عليه قيادتها السياسية بالرفض مباشرة والإشارة إلى قدرتها على التصدي لأي محاولات قسرية لنجاح هذه المهمة. وصل الأمر إلى التلويح بتسهيل خروج ملايين اللاجئين من مصر إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا. ما يخلق للأخيرة أزمة لن تستطيع التعامل معها بخشونة أو ليونة.
مع أن المهاجرين غير الشرعيين الذين لقوا حتفهم أمام سواحل ليبيا مؤخرا يحملون الجنسية المصرية، إلا أن هناك مئات من جنسيات أخرى لم تتم الإشارة إليهم، وتحديد دولة المنبع التي خرجوا منها. من غير المستبعد أن يكون في صفوفهم من خرجوا من مصر، بحكم أن عددا ممن لجأوا إليها اختاروها كمقر مؤقت (ترانزيت) إلى حين تتهيأ الفرصة للهروب منها إلى أوروبا عبر مراكب تجوب البحر المتوسط ليلا ونهارا.
تؤكد المعطيات السابقة أن ملف الهجرة غير الشرعية سيظل ساخنا بين مصر والدول الأوروبية وعلى درجة عالية من التشابك مع ملفات أخرى. ويحتاج إلى وضوح وصراحة وشفافية في التعامل معه. لا تصلح معه الدبلوماسية التقليدية التي تكتفي بالمناقشات السطحية. فهو ملف مهم للجانبين. من الضروري أن تتوافر حوافز اقتصادية ودوافع أمنية مشتركة ليجد الطرفان نقاطا مشتركة ينطلقان منها للتعامل معه بإيجابية، وحتى لا يظل أزمة معلقة ومعقدة تؤرق مصالحهما من وقت لآخر.