الهجمات الصاروخية لن تثني البابا عن زيارة العراق

زيارة البابا التاريخية إلى العراق تهدف إلى تعميق الحوار الأخوي مع شخصيات إسلامية بعد أن تسبب الحبر الأعظم السابق بسنوات من الفتور مع المسلمين جراء تصريحات مسيئة للنبي محمد.


زيارة البابا تشكل رسالة قوية لشخصية تركز بشدة على الدفاع عن العراقيين

الفاتيكان - صرح البابا فرنسيس الأربعاء أنه ما زال مصمما على القيام بزيارته التاريخية للعراق بعد يومين، على اثر هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية تضم قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.

وقال البابا في عظته الأسبوعية "بعد غد إن شاء الله سأذهب إلى العراق في زيارة حج لثلاثة أيام"، مؤكدا "أردت منذ وقت طويل لقاء هذا الشعب الذي عانى كثيرا".

ودعا البابا المؤمنين إلى الصلاة من أجل هذه الرحلة الأولى لحبر أعظم إلى العراق يأمل من خلالها تشجيع المسيحيين الذين يتراجع عددهم على البقاء في بلدهم وتعزيز تواصله مع الإسلام.

وقال البابا "أطلب منكم أن ترافقوا هذه الرحلة الرسولية بصلواتكم حتى تتم بأفضل طريقة ممكنة وتؤدي إلى النتائج المرجوة".

وأضاف أن "الشعب العراقي ينتظرنا وكان ينتظر يوحنا بولس الثاني الذي كان ممنوعا من السفر إلى هناك. لا يمكن أن نخيب أمل شعب للمرة الثانية. لنصلي من أجل أن تنجح هذه الرحلة".

وكانت مصادر أمنية ذكرت أن عشرة صواريخ على الأقل استهدفت الأربعاء قاعدة عين الأسد التي تضم قوات أميركية في الأنبار بغرب العراق. ما تسبب في مقتل مقاول مدني جراء نوبة قلبية.

وجاء الهجوم على القاعدة الكبيرة في الصحراء بغرب العراق بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية.

وكان متحدث باسم البابا فرنسيس صرح الثلاثاء أن الحبر الأعظم سيتنقل بسيارة مصفحة ولن يلتقي بالحشود.

وقال المتحدث ماتيو بروناي "هذا وضع خاص لذلك ستكون كل وسائل النقل في آلية مغلقة ما يعني أنه سيكون من الصعب رؤية البابا في الشوارع". وأضاف "سيكون هناك عدد من الاجتماعات ولكن لن يكون هناك أكثر من بضع مئات من الأشخاص".

يعقد البابا خلال زيارته التاريخية إلى العراق، لقاء يرتدي طابعا رمزيا كبيرا السبت مع المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله العظمى علي السيستاني، في خطوة تتماهى مع هدفه تعميق الحوار الأخوي مع شخصيات إسلامية مهمة.

ويزور البابا الأرجنتيني البالغ من العمر 84 عاماً، مدينة النجف الأشرف التي تضم مرقد أول أئمة الشيعة علي بن أبي طالب.

البابا سيتنقل في العراق بسيارة مصفحة تحسبا لأي اعتداء
البابا سيتنقل في العراق بسيارة مصفحة تحسبا لأي اعتداء

وسيكون في استقباله في هذه المدينة المقدسة التي تشكل مركزا للحوزة العلمية الشيعية وتعدّ من أبرز المواقع الروحية عند الشيعة في العالم، السيستاني البالغ من العمر تسعين عاما والذي نادرا ما يظهر في العلن رغم أهميته الروحية والدينية.

ويشكل اللقاء المباشر الذي يجمع الرجلين حدثا مفصليا بالنسبة للمسلمين في العراق الذين يشكل الشيعة ستين بالمئة منهم والسنة 37 بالمئة.

ويفضّل البابا الأرجنتيني غالبا اللقاءات المباشرة التي تشكل رمزا للتسامح والسلام، بعيدا عن الخوض في التفاصيل اللاهوتية كما سلفه بنديكتوس السادس عشر.

وكان الحبر الأعظم السابق الذي استقال قبل ثماني سنوات، تسبب بسنوات من الفتور مع المسلمين بعدما اقتبس في 2006 عبارة من إمبراطور بيزنطي من القرن الرابع عشر انتقادات "لأمور سيئة وغير إنسانية" أنتجها النبي محمد.

وبعيدا عن مسار سلفه وقع البابا فرنسيس قبل عامين في أول زيارة بابوية لشبه الجزيرة العربية، وثيقة "أخوة إنسانية ضد التطرف" مع إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب الشخصية ذات الثقل الروحي داخل مصر وخارجها.

وما زالت صورة الزعيم الروحي لـ1.3 مليار كاثوليكي وهو يقبّل في أبوظبي إماما سنيا، إمام ممثلين عن جميع الطوائف ماثلة في الأذهان.

ويشكل السنة تسعين بالمئة من مسلمي العالم، بينما يشكل الشيعة عشرة بالمئة يتركز معظمهم في العراق وإيران. لذلك يمد البابا بزيارته للنجف يده إلى المذهب الإسلامي الكبير الآخر.

البابا: لا يمكن أن نخيب أمل العراقيين
البابا: لا يمكن أن نخيب أمل العراقيين

حدث غير مسبوق

تقول الباحثة مرسين الشمري من معهد "بروكينغز" إنه "بالفعل حدث غير مسبوق". وتشير إلى أن حوزة النجف الأشرف دخلت في حوار بين الأديان في أعقاب الغزو الأميركي في 2003 وخلال مرحلة الاقتتال الطائفي في العراق بين 2006 و2008.

ولطالما كرر السيستاني أنه لا يجوز أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا. وفي 2014 عندما بدأ تنظيم الدولة الإسلامية بالاقتراب من حدود العاصمة بغداد، دعا العراقيين إلى أن يحملوا السلاح لدحر عناصر داعش.

من جهتها ترى المحللة السياسية الفرنسية المتخصصة بالشرق الأوسط ميريام بن رعد أن "زيارة البابا تشكل رسالة سياسية قوية لشخصية تركز تركيزا شديدا على الدفاع عن العراقيين".

ويجسد السيستاني واحدا من أبرز تيارين شيعيين حاليين في العالم. فهو يمثّل مرجعية النجف التي تؤيد أن يكون دور المرجعية استشاريا للسياسيين وليس مُقرّرا، على عكس مرجعية قم في إيران التي تؤكد أنه يجب أن يكون لرجال الدين دورا في إعطاء توجيهات سياسية على غرار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

ويرى الراهب أمير ججي التابع للرهبنة الدومينيكانية والناشط في الحوار بين الأديان أن "الشيعة في العراق يريدون أن يدعمهم الفاتيكان والغرب ضد تأثير إيران، التي تريد الهيمنة على النجف".

ومنذ الإعلان عن زيارة البابا، ينشط المسؤولون الدينيون للطائفة الشيعية في العراق في جعل زيارة البابا للنجف محطة أكيدة.

حتى الآن لم يؤكد بطريرك الكلدان أكبر أقلية كاثوليكية في العراق، لويس ساكو ما إذا كان سيجري توقيع مشترك على وثيقة بين السيستاني والبابا على غرار وثيقة أبوظبي، وهو ما لم تعلن عنه بغداد أيضاً.

ويولي البابا فرنسيس أهمية كبرى لوثيقة أبوظبي، وذكر مقتطفات منها في رسالته البابوية الثالثة "رسالة إلى جميع الأخوة والأخوات".

الإلحاد يبقى أمراً لا يمكن تصوره في العالم العربي الإسلامي

الإلحاد وتغيير الدين

تدعو وثيقة أبوظبي إلى حرية المعتقد والتعبير وإلى منح "الأقليات" حقوق مواطنة تامة. غير أنها لا تشير إلى الحق في الإلحاد أو تغيير الدين، مساويةً بين "التطرف الإلحادي وللاديني" و"التشدد والتعصب الأعمى".

ويرى دان دريول نائب مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات المشرقية في القاهرة أن "النص الذي أعده مصريان، قوي جداً من الناحية الرمزية لكن مضمونه يبقي الأبواب مفتوحة".

وأشار إلى أن النص "لا يتناول إلا نقاطا مشتركة. فعندما يدعم الأزهر الحرية الدينية، فهذا يعني أن المسيحيين يستطيعون حضور القداديس"، لكن "الإلحاد يبقى أمراً لا يمكن تصوره في العالم العربي الإسلامي".

يتفادى البابا ومبعوثوه من جهتهم المواضيع التي قد تثير حساسية. ففي أبوظبي، قال البابا إن الحرية الدينية "لا تقتصر فقط على حرية العبادة".

يوضح الكاردينال ليوناردو ساندري الذي يرأس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان أن "الحرية الدينية المثالية تعني أيضا أنه يمكن للفرد أن يعتنق دينا آخر، كما العديد من أشقائنا الكاثوليك الذين اعتنقوا الإسلام أو البوذية"، لكنه ألمح أيضاً إلى أن المسألة لا تزال من المحرمات.

وهو يؤمن بالخطوات الصغيرة التي يمكن أن تتحقق من خلال حوار مع "إسلام منفتح"، مضيفاً أن "الأمر يحتاج لوقت لكنه ممكن".