الولايات المتحدة وإيران في متاهة الثقة المفقودة

المشهد الإيراني الأميركي رهينة توازنات هشة، حيث لا تزال العوامل المؤججة للصراع تفوق بكثير عوامل التهدئة.

تتجه الأنظار مجدداً نحو الملف الإيراني في ظل حركة دبلوماسية إقليمية ملحوظة، تبرز في طليعتها مساعي باكستان الوساطية التي تجسدت بلقاء وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران وهو لقاء يأتي في سياق أوسع من التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، إلا أن قراءة هذا المشهد تستدعي التوقف عند جملة من الملابسات التي تحيط بالعلاقة الأميركية الإيرانية، والتي لم تعد تخضع لمنطق ثنائي بحت، بل أصبحت رهينة تفاعلات إقليمية معقدة ومتداخلة.

إن المسار الذي تسلكه العلاقة بين واشنطن وطهران اليوم لا يمكن فهمه دون العودة إلى الجذور التاريخية للصراع؛ ذلك الصراع الذي تأسس على إعادة صياغة مفهوم النفوذ في منطقة تمتد من أفغانستان إلى المتوسط، مروراً بالعراق والخليج العربي، فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد العلاقة بين الجانبين مجرد علاقة دولتين تتبادلان المصالح أو تتصارعان عليها، بل تحولت إلى علاقة وجودية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية لتلامس هويات نظامين يتبنيان رؤيتين متعارضتين للنظام الدولي.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن هذا الصراع الوجودي لم يعد يخضع لمنطق المواجهة المباشرة فحسب، بل أصبح يتقاطع مع تحولات بنيوية في النظام الدولي نفسه، حيث تتآكل الهيمنة الأمريكية التقليدية وتتصاعد قوى إقليمية تسعى لملء فراغ النفوذ.

تبدو باكستان في هذا المشهد لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه، فهي الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، والتي تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الصين من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهي في الوقت نفسه جارة إيران المباشرة التي تربطها بها حدود تمتد لأكثر من تسعمائة كيلومتر.

ومن هذا المنطلق، فإن مساعيها الوساطية ليست مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل تعبير عن إدراك إسلام آباد العميق بأن أي تصعيد عسكري بين طهران وواشنطن سيكون له انعكاسات كارثية على أمنها القومي، خاصة في ظل وجود أقليات شيعية في باكستان، وفي ظل تاريخ من التوترات الحدودية مع إيران. كما أن باكستان تدرك أن نجاحها في لعب دور الوسيط يعزز مكانتها الإقليمية ويمنحها ورقة تفاوضية مع واشنطن في ملفات أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والعسكرية.

لكن السؤال الجوهري يبقى في مدى جدية الإدارة الأمريكية الحالية في التعاطي مع أي مسار تفاوضي محتمل؛ فالإدارة التي تتعامل مع ملفات داخلية معقدة، وتخوض معارك سياسية حادة على الساحة الداخلية، قد لا تملك الفرصة السياسية للانخراط في مفاوضات شاملة مع إيران، خاصة في ظل الضغوط المحافظة داخل الحزب الجمهوري التي تعتبر أي تفاوض مع طهران تفريطاً في المصالح الأمريكية وحلفائها الإقليميين. ومن هنا، فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تأخذ في الاعتبار أن الوساطة الباكستانية، وإن كانت تبدو واعدة على الورق، إلا أنها قد تصطدم بجدار من الصلابة الأمريكية في التعاطي مع الملف النووي الإيراني، الذي يبقى العقبة الرئيسية أمام أي تطبيع محتمل في العلاقات.

بهذا المعنى، فإن الملف النووي الإيراني لم يعد مجرد قضية تقنية أو أمنية، بل تحول إلى رمز للسيادة الوطنية في المخيال الإيراني، وإلى خط أحمر في السياسة الخارجية لأي إدارة أميركية، فطهران، ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، لم تعد ترى في العودة إلى الاتفاق مجرد مسألة تفاوضية، بل تعتبرها مسألة تتعلق بمصداقية النظام الدولي وقدرة إيران على الحفاظ على مكتسباتها التفاوضية.

وهنا يكمن التناقض الجوهري؛ فواشنطن تريد من طهران التراجع عن تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تتجاوز حدود الاتفاق، بينما تريد طهران ضمانات ملموسة بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل الطبيعة الداخلية للنظام السياسي الأميركي الذي يسمح بتغيير السياسات الخارجية مع كل تغيير في الإدارة.

تتداخل مع هذه المعادلة المعقدة متغيرات إقليمية أخرى تزيد من صعوبة التنبؤ بالمسار المستقبلي؛ فالحرب في غزة، وتداعياتها على محور المقاومة المدعوم من إيران، تضع طهران في موقف لا تستطيع فيه التنازل بسهولة عن أوراقها الإقليمية، خاصة وأن أي تفاوض مع واشنطن سيُفسَّر في أوساط حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حركة حماس وحزب الله، على أنه تخلٍّ عنهم. وفي المقابل، فإن الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأميركية لمنع أي تفاوض مع إيران تبقى عاملاً حاسماً، فإسرائيل ترى في أي تطبيع محتمل بين واشنطن وطهران تهديداً وجودياً لأمنها، وترى في البرنامج النووي الإيراني خطاً أحمر لا يجب تجاوزه.

من هنا، يمكن رسم سيناريوهات متعددة للمسار المستقبلي، لكنها تبقى جميعها مرهونة بتوازن القوى الداخلية في إيران، وبقدرة النظام الإيراني على امتصاص الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وبقدرة الإدارة الأميركية على تجاوز انقساماتها الداخلية، فالسيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يتمثل في نجاح الوساطة الباكستانية، أو غيرها من الوساطات الإقليمية، في فتح قناة حوار مباشر أو غير مباشر بين واشنطن وطهران، تؤدي إلى تفاهمات تتعلق بتخفيف العقوبات مقابل قيود على البرنامج النووي الإيراني، لكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التصلب المتبادل.

أما السيناريو الثاني، وهو الأقرب إلى الواقع، فيتمثل في استمرار حالة الجمود، حيث تبقى العلاقات في دائرة المواجهة الناعمة، تتخللها رسائل غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، دون الوصول إلى تفاهمات جوهرية. وهناك سيناريو ثالث، وهو الأكثر تشاؤماً، يتمثل في تصعيد عسكري محدود أو غير مباشر، يندرج في إطار حرب الظل المستمرة بين الجانبين، والتي قد تتخذ أشكالاً جديدة في ظل التطورات الإقليمية.

إن القراءة العميقة لهذا المشهد تستدعي الاعتراف بأن العلاقة الأميركية الإيرانية قد تجاوزت مرحلة الحلول السريعة، وأن أي تفاهم مستقبلي سيكون نتاج تراكمات طويلة من التفاعلات الإقليمية والدولية، وليس نتاج مفاوضات ثنائية مغلقة، فالمنطقة التي تتوسطها إيران لم تعد مجرد ساحة للصراع الأميركي الإيراني، بل أصبحت مسرحاً لتفاعلات متعددة الأطراف تشمل الصين وروسيا وتركيا والقوى الإقليمية الصاعدة، وهو ما يجعل أي محاولة لتوقع المستقبل مرهونة بقدرة هؤلاء اللاعبين على التأثير في مسار الأحداث.

ونتيجة لذلك، فإن لقاء نقوي وعراقجي، وإن كان يحمل في طياته إشارات دبلوماسية ملحوظة، إلا أنه لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن هذا السياق الأوسع، الذي يجعل من أي تطور في العلاقة الأميركية الإيرانية قضية تتجاوز الثنائية إلى بعد إقليمي ودولي أشمل.

ختاماً، يبقى المشهد الإيراني الأميركي رهينة توازنات هشة، حيث لا تزال العوامل المؤججة للصراع تفوق بكثير عوامل التهدئة، وحيث تبقى الوساطات الإقليمية، وإن كانت ضرورية، مجرد محاولات لتخفيف حدة التوتر دون القدرة على تغيير جوهر العلاقة، التي تظل أسيرة تاريخ من عدم الثقة وصراع على النفوذ لا يبدو أنه سينتهي في المدى المنظور.