انتفاضة أوروبية ضد التدخلات التركية

الموقف التركي المتصاعد في ليبيا وشرق المتوسط نتيجة من نتائج التراخي الأوروبي في التعامل مع ملفات العلاقة مع أنقرة، من الارهاب إلى موجات المهاجرين.


حلف الاطلسي الذي أسقط نظام القذافي ارتضى أن تكون تركيا وكيلته


جرس إنذار من الإليزيه يوحي بالامتعاض الشديد من طموحات اردوغان


يجري التباحث بشأن تطوير عملية إيريني لتطبيق حظر السلاح ووقف تهريب المعدات العسكرية التركية الى ليبيا

يبدو أن الرياح الأوروبية ستأتي بما لا تشتهي السفن التركية، حيث بدأت تلتفت بعض الدول الغربية إلى حجم المخاطر التي تمثلها تصرفات أنقرة في شرق البحر المتوسط، والتدخلات العسكرية التي تقوم بها على الساحة الليبية.

أرسلت دول في الاتحاد الأوروبي إشارات تفيد بأن صمتها على مواجهة التحركات التي قامت بها أنقرة لن يستمر طويلا، وأخذت تتبنى خطوات تكشف عن عدم الرضا على ما تحمله من تصورات يمكن أن تصطحب معها أضررا إستراتيجية على دول مؤثرة في القارة العجوز.

دق قصر الإليزيه في باريس جرس إنذار، يوحي بالامتعاض الشديد من طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان، ووصف في بيان له تدخلاته في ليبيا بأنها غير مقبولة وتستغل حلف شمال الأطلنطي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك، كما أن أنقرة تتبع سياسة أكثر عدوانية وتصلبا وتنتهك الحظر المفروض على التسليح.

اعتبر البعض هذه الخطوة متقدمة، وتعد تحولا في مسار فرنسا كواحدة من أهم الدول المعنية بما يجري في ليبيا، غير أن المتابعين لرؤية باريس يرون أن بيان الإليزيه جاء مكملا لجملة تصريحات تؤكد التململ من ممارسات تركيا في المنطقة، ففي نوفمبر الماضي انتقد الرئيس إيمانويل ماكرون صمت حلف الناتو على الهجمات العسكرية التركية على الأكراد في سوريا، ووصف الحلف بأنه يعاني من موت إكلينيكي.

كان من المفترض تصحيح ومعالجة ما بدا أنه تقاعس مقصود، فالحلف الذي أسقط نظام العقيد الليبي معمر القذافي منذ تسع سنوات ارتضى أن تكون تركيا وكيلته، وتبدو توجهاته مؤيدة لها، لكن على أرض الواقع تبين أن التوجهات متضاربة، والرؤى متخبطة، والتقديرات السياسية والعسكرية غامضة. رأينا التراشقات بين فرنسا وإيطاليا. وارتباك وتردد ومناورات في تعامل الولايات المتحدة. ووجدنا أن هناك أكثر من حلف وأكثر من سياسة.

استثمرت تركيا في المسافات المتباعدة والحسابات الخاطئة لدى الدول الغربية، وبالغت في أحلامها لرسم دور محوري لها في شرق المتوسط، وتسللت إلى ليبيا عبر أذرع وأدوات غير مشروعة، بما أزعج بعض الدوائر الأوروبية، لأن الجموح التركي قد لا يتوقف عند حدود ليبيا، ويمكن أن يمس مرتكزات ومفاصل في الأمن والاستقرار الإقليمي.

تزامن مع الموقف الفرنسي تطورات تصب في خانة التحلي بالواقعية السياسية والعسكرية مع تركيا التي درجت على ابتزاز دول كثيرة في الاتحاد الأوروبي بورقتي الهجرة والمتطرفين، من دون أن تواجه بإجراءات عقابية، أو محاولة فرملة توجهاتها التي تعتمد على توظيف تنظيمات معروف أنها تمارس الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها.

فهمت أنقرة عدم الممانعة في استخدام هؤلاء كضوء أخضر، وحض على المضي في سياساتها التي تتخذ من الإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة معاول هدم لبعض دول المنطقة، فبعد أن قامت بدورها في سوريا انتقلت إلى ليبيا، ولم تواجه باعتراضات كبيرة من الدول الأوروبية، واعتقدت كل جهة أنها قادرة على توظيف تركيا بالطريقة التي تناسبها، وأن أنقرة لن تخترق الخطوط الحمراء والصفراء، والمصالح الاقتصادية التقليدية.

أغرى التقدم الذي حققته أنقرة من خلال تحالفها مع حكومة الوفاق في طرابلس، أردوغان على توسيع مناطق نفوذه العسكرية، والتطلع إلى الاستحواذ على جزء من الثروة النفطية والغازية في ليبيا، ما يمثل تجاوزا للخرائط المرسومة سلفا، ويغير قواعد الجغرافيا السياسية الراسخة من عقود.

بدأت تتزايد الإشارات حول وجود اتفاقيات سرية بين تركيا وروسيا ولعبة توزيع أدوار، بمعنى أن موسكو يمكن أن تجد لها موطيء قدم عسكرية في ليبيا، وقدرة جديدة على تطويق دول جنوب أوروبا، مع تنامي رغبتها في التأثير سلبا على أداء حلف الناتو في المنطقة، وتغيير الكثير من ملامح التوازنات الراهنة.

يصعب القول بأن الاتحاد الأوروبي حسم تماما مسألة التصدي لتركيا في شرق المتوسط، وقرر العمل على بتر وجودها في ليبيا، فالوصول إلى هذه المرحلة بحاجة إلى توافق غربي عام، وحزمة إجراءات عملية تعزز فكرة التخلي عن مرحلة مرتبكة وبداية مرحلة متماسكة.

لا يزال هذا الطريق تنقصه الرغبة والإرادة والفعل، غير أن ما وصل من رسائل إلى تركيا يحمل دلالة بأن ذلك ربما يكون قريبا، فقد أثبت تعامل أنقرة مع حكومة طرابلس أن إنتهازية أنقرة جامحة، بلا حدود أو ضوابط، ويمكن أن يغريها التقاعس الغربي على التجرؤ نحو مزيد من الطموحات.

لذلك يجري التباحث بشأن تطوير عملية إيريني لتطبيق قرار مجلس الأمن بمنع تصدير الأسلحة إلى ليبيا، والحد من تهريب المعدات العسكرية التركية إليها.

في هذا السياق طلب الاتحاد الأوروبي مساعدة حلف الناتو في فرض احترام حظر التسليح. جاءت الخطوة بعد منع القوات التركية سفنه من تفتيش سفينة مشبوهة في طريقها إلى ليبيا. ويقود الحصول على هذه المساعدة وتطويرها إلى توافق، وأن هناك ضغوطا جديدة قد تمارس على تركيا.

تعالت الأصوات الغربية لرفض تحركات تركيا في شرق البحر المتوسط أخيرا، والسعي نحو تجريدها من وضعها كمرشح محتمل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبشكل يختلف عن التعامل السابق، وينطوي على مضمون مختلف عن الشجب والتنديد والتلويح على مضض بإجراءات عقابية، حيث قررت بعض الدول وقف السيولة الحدودية في المتوسط، والتي مكنت أنقرة من مد بصرها إليها، كنوع من الأطماع وجس النبض حيال قضايا أخرى.

في هذا الاتجاه، وقعت إيطاليا واليونان اتفاقا لتقسيم الحدود البحرية في 9 يونيو، بعد أكثر من ثلاثة عقود من محادثات متقطعة، شهدت مدا وجزرا، حتى تمكن الطرفان من تسوية النقاط الخلافية على وقع تهديدات تركيا، عقب قيامها بتوقيع مذكرة تفاهم بحري مع حكومة الوفاق بطرابلس في نوفمبر الماضي، وتوظيفها في توسيع نطاق حدودها البحرية، والشروع في التنقيب عن الغاز بصورة توجد واقعا يتطلب تغييره إلى استخدام الخشونة العسكرية.

تحتاج الانتفاضة الأوروبية لبلورة رؤية متقاربة للتعامل بإيجابية مع الأزمة الليبية، والبناء على مبادرة التسوية التي قدمتها مصر الأسبوع الماضي، اعتمادا على مخرجات مؤتمر برلين، فهذه الأزمة أصبحت الباب الرئيسي الذي تدخل منه الشرور التركية لتغيير الكثير من موازين القوى حاليا.