انتكاسة حقوقية بإقرار المحكمة الاتحادية تعديلات قانون الأحوال الشخصية العراقي

منظمات حقوقية تؤكد أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية تشكل انتهاكًا صارخًا لحقوق النساء والأطفال، وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.

بغداد - قضت المحكمة الاتحادية العليا أعلى سلطة قضائية في العراق الأحد، بصحة إجراءات مجلس النواب على قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي أثار انتقادات واسعة باعتباره تراجعا خطيرا في حقوق المرأة والطفل يكرس سلطة ذكورية تفتح الباب واسعا للانتهاكات الأسرية دون حماية قانونية، وفق المنتقدين.

وأعلن عضو اللجنة القانونية النيابية محمد جاسم الخفاجي في منشور له على مواقع التواصل تحت عنوان أن "الموقف الآن ومن داخل المحكمة الاتحادية العليا". وكتب في منشوره قائلا إنه "كسبنا الدعوى المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية".

وأضاف الخفاجي أن المحكمة الاتحادية ردت الدعوى المقامة ضد التعديل "لعدم وجود مخالفة دستورية".

وأثار القانون الكثير من الجدل منذ سنوات بسبب بنوده التي تعتبر ردة هائلة في حقوق المرأة والطفل وتكريس لمنظومة ذكورية تشرع الانتهاكات، وجاء في تعليق عليه.

وأكد ناشط أن القانون يحول المرأة الى سلعة ولا يعترف بإنسانيتها:

وكانت منظمات نسوية واخرى معنية بحقوق الانسان قد رفعت دعوى ضد رئيس مجلس النواب محمود المشهداني طالبات فيها بالحكم بعدم صحة إجراءات المجلس بالتصويت على القانون رقم (1) لسنة 2025 قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية وعدم دستورية القانون كونه بُني على اجراءات غير صحيحة.

وكذلك طلبت المنظمات من المحكمة أيضا - كما في الدعوى - الحكم بعدم دستورية عبارة (وليس لهما تغيير خيارهما لاحقاً) والواردة في المادة (1/أ)، والشق الثاني من الفقرة (أ: وبالنسبة إلى عقود الزواج التي أُبرمت وسجلت نفاذ هذا القانون يحق لكل من طرفيهما كاملي الاهلية تقديم طلب الى محكمة الاحوال الشخصية لتُطبق عليهما وعلى أولادهما القاصرين للأحكام الشرعية للأحوال الشخصية في المذهب الشيعي الجعفري إذا كان العقد قد وقع على وفق هذا المذهب، ويُستدل على ذلك بتضمنه استحقاق المهر المؤجل عند المطالبة والميسرة) في حدود تفسيره بما يجعل العقد محل تغيير بالإرادة المنفردة (د، ز، ح) من نفس المادة.

وفي فبراير الماضي خرجت مظاهرة نسائية في بغداد تندد بقانون الأحوال الشخصية الجديد باعتباره يهدد حقوق المرأة والطفل، حيث تجمعت العشرات من النساء والناشطات الحقوقيات، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوق الإنسان، في وقفة احتجاجية رفضًا للتعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية، التي تم تمريرها ضمن حزمة قوانين جديدة.

ورفعت المتظاهرات لافتات حملت شعار "أريد أمي"، معبرات عن استنكارهن لتعديل المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، والتي تتعلق بسن حضانة الطفل، بالإضافة إلى السماح بزواج القاصرات.

وأكدت المشاركات أن هذه التعديلات تشكل انتهاكًا صارخًا لحقوق النساء والأطفال، وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.

لكن المحكمة الاتحادية العليا ضربت عرض الحائط بجميع الانتقادات والمطالب الحقوقية بعدم تمرير القانون، وأكد النائب رائد المالكي في تعليقه على الحكم، أن المحكمة الاتحادية العليا ردت الطعون المقدمة ضد تعديل قانون الأحوال الشخصية التي قضى بوضع مدونة شرعية واعتبرته دستوري سنده نص المادة (41) من الدستور.

وأوضح في بيان أنه "وبهذا القرار تكون المحكمة الاتحادية قد أيدت دستورية وضع مدونة شرعية للأحوال على وفق المذهب الجعفري".

وتابع المالكي بالقول إن "المحكمة الاتحادية أيدت سريان التعديل على العقود السابقة بطلب من الزوجين أو أحدهما إذا كانت عقدت سابقا على المذهب الجعفري".

وصوت مجلس النواب العراقي، في جلسة عقدها بتاريخ 27 من شهر أغسطس/آب الجاري، على "المدونة الشرعية للفقه الجعفري" وهي فقرة قانونية ترتبط بقانون الأحوال الشخصية الذي أقره المجلس قبل أشهر، وفقاً لما وصفه نواب بأنه "استجابة" لطلب من المرجعية الدينية العليا بالنجف.

واعتبرت اللجنة القانونية النيابية الأربعاء الماضي أن "المدونة الشرعية للفقه الجعفري" التي صوّت عليها مجلس النواب تضمنت أحكاماً ومعالجات مناسبة للأسرة العراقية في "غاية الدقة والتنظيم".

وذكر عضو اللجنة رائد المالكي، لوكالة شفق نيوز المحلية أن "تصويت مجلس النواب على مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية على وفق الفقه الجعفري المرسلة من ديوان الوقف الشيعي، هو جزء من التزام مجلس النواب العراقي بتنفيذ أحكام تعديل قانون الأحوال الشخصية".

وأوضح المالكي أن "المدونة تضمنت أحكاماً في غاية الدقة والتنظيم، وهي مناسبة للأسرة العراقية (الزوجين والأطفال)، لما قبل حالة الانفصال وما بعد في حال تحقق الطلاق، فقد عالجت المدونة العديد من القضايا حتى أكثر من قانون الأحوال الشخصية".

وبيّن أن "مواد القانون كانت 94 مادة، أما مواد المدونة فقد وصلت 337 مادة، ومعظم الحالات تقع في الواقع العملي، وهي شرعية بالكامل ولم تتضمن أحكاماً خارج الحكم الشيعي".

وعن أحكام الحضانة في المدونة، أشار إلى أنها "نُظمت بشكل متوازن ومنصف للمرأة والرجل وحتى الأطفال، وأُعطيت سلطة للقاضي بالتحكم في بعض الحالات، خصوصاً في مسألة المشاهدة والمكان والزمان المناسب للطرفين أو الأطراف الثلاثة".

وشرح أن "الحضانة في المدونة هي مناصفة، 7 سنوات الأولى للأم، وما بعدها للأب، وعند بلوغ الطفل السن الشرعي - مع كونه راشداً - يختار بين البقاء مع الأم أو الأب، وفي حال وفاة الأب، تنتقل الحضانة مباشرة إلى الأم، فهي تكون أولى من الجد لأب والجدة وسائر الأقرباء".

وبحسب بيان للدائرة الاعلامية للبرلمان فإن "فقرة تمت إضافتها على جدول اعمال جلسة الأربعاء تتعلق بمدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية على وفق الفقه الجعفري، وهي مسودة مشروع مرسلة من ديوان الوقف الشيعي".

وأضاف البيان، أنه "تم التصويت على المدونة بحضور 167 نائباً"، مؤكداً أن "رئاسة المجلس رفعت الجلسة بعد التصويت على هذه الفقرة.

ووفقاً لخبراء بالقانون، فإن المدونة الشرعية للفقه الجعفري عبارة عن نص فقهي وقانوني أعدّه ديوان الوقف الشيعي، يضم أكثر من 300 مادة تعالج مسائل الأحوال الشخصية (كالزواج، الطلاق، الميراث، الوصايا، النفقة، الحضانة) وفق مبادئ الفقه الإمامي الاثني عشري (الجعفري).

وأقر مجلس النواب العراقي مطلع العام الجاري، تعديلاً على قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، يتيح للمواطنين من المسلمين الشيعة باختيار الاحتكام إلى الفقه الجعفري في قضايا الزواج والطلاق والميراث والحضانة، بدلاً من البقاء ملزمين بالقانون الموحد.

وكانت عدة منظمات محلية ودولية، بينها "هيومن رايتس ووتش"، قد اعتبرت أن القانون المعدل يشكّل تراجعاً عن مبدأ المساواة ويهدد حقوق النساء والفتيات، لا سيما فيما يتعلق بسن الزواج، وحقوق الحضانة، والميراث، بالمقابل، يرى المدافعون عنه أنه يحقق العدالة الدينية ويعطي المذهب الجعفري إطاراً تشريعياً رسمياً طال انتظاره.