انخفاض المواليد يعكس تغيرا عميقا في نمط التفكير العربي

مخاوف من عبور المجتمعات العربية من الرفاهية الاجتماعية إلى الشيخوخة السكانية
توجه عالمي للاكتفاء بالحد الأدنى من الأبناء
تونس دخلت منذ سنوات عتبات الشيخوخة السكانية
الظروف الجيدة أيضا تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب والرغبة في التمتع بالحياة
ازدياد الوعي بكيفية تلقي الأطفال للعناية والرعاية النفسية والاجتماعية

الرياض - يمضي قطار انخفاض معدل المواليد بشكل لافت في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يثير جدلا واسعا في أوساط خبراء علم الاجتماع بين من يحذر من الشيخوخة السكانية ومن يدعو للتوسط بين الإفراط والتفريط في الانجاب، في حين يخفف البعض من تداعيات هذا التوجه مؤكدا أن الآثار بعيدة المدى ولن تظهر قبل 30 عاما.

وفي السعودية، تراجع عدد المواليد من 465 ألف مولود في 2017 إلى 417 ألفا في 2022، وفقًا لهيئة الإحصاء السعودية، أي بنسبة تراجع تتجاوز 10 بالمئة خلال 6 أعوام.

ونقلت صحيفة الاقتصادية السعودية مؤخرا بيانات للبنك الدولي تشير لتراجع عدد المواليد في السعودية من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة في 2023.

وفي مصر، قال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في أغسطس/آب 2025، إن عدد المواليد سجل مليونا و998 ألفاً بنهاية عام 2024، بتراجع قدره 77 ألف مولود عن 2023، بنسبة انخفاض بلغت 3.8 بالمئة.

وسجل لبنان أيضا في السنوات من 2020 وحتى 2023، بعد الأزمة الاقتصادية في 2019، انخفاضا بنسبة 39.8 في المئة في المواليد بعدد 271 ألفا و913 مولودا، مقابل 354 ألفا و866 مولودا خلال الأعوام 2016 حتّى 2019، وفق تقديرات نقلتها صحيفة النهار المحلية في 2024.

وفي تونس، كشف المعهد الوطني للإحصاء في تقرير نشره في سبتمبر/ أيلول 2025 عن انخفاض بنسبة 10 بالمئة في عدد المواليد متراجعا إلى 133 ألفا و322 مولودا خلال 2024 مقابل 147 ألفا و242 مولودا في 2023.

وفي 17 ديسمبر/ كانون الأول 2025، كشف تقرير الأمم المتحدة للتوقعات السكانية العالمية عن تفاوت واضح في معدلات النمو السكاني بين الدول العربية خلال سنة 2025، حيث تصدرت مصر القائمة بـ2.45 مليون مولود، تلاها اليمن بـ 1.40 مليون، ثم العراق بـ 1.18 مليون، فيما جاءت الجزائر في المرتبة الرابعة بـ 855 ألفا.

من آثار انخفاض معدلات الولادة ازدهار مؤسسات جديدة تُعنى برعاية المسنين وستنمو مهن 'مساعدي الحياة' و'طب الشيخوخة'

وبحسب التقرير، سجّل المغرب نحو 619 ألف مولود، وسوريا 601 ألفاً، والسعودية 564 ألفاً والأردن 232 ألفاً، وتونس 160 ألفاً، وفلسطين 144 ألفاً، وليبيا 120 ألفاً، والإمارات 114 ألفاً، ولبنان 92 ألفاً، وعُمان 90 ألفاً، فيما بلغ عدد المواليد في الكويت حوالي 48 ألفاً، وقطر 29 ألفاً، والبحرين 10 آلاف.

وفي تعليقه على مسار انخفاض المواليد عربيا، قال الوزير التونسي السابق، أستاذ علم الاجتماع الدكتور مهدي مبروك، في حوار خاص مع الأناضول "الأسباب متعددة، ولا يمكن أن نجد سببا واحدا يمكن تعميمه على مختلف المجتمعات العربية".

وأضاف "الحالة المصرية تختلف تماما عن نظيرتيها السعودية والتونسية، ولكن هناك اتجاه عام، يعبر عنه في العلوم الاجتماعية بالتحولات الديموغرافية، والتي بدأت في الستينات بالمجتمعات الغربية، وحاليا بالمجتمعات العربية، ولكن بأشكال وسياقات متفاوتة".

وعن سبب ذلك الانخفاض، أضاف مبروك "هناك من يقول إن هذه إحدى علامات الحداثة، باعتبار أن هناك توجهاً نحو الخيارات الفردية التي بمقتضاها نمر من العائلة الممتدة إلى العائلة التي تكتفي بالحد الأدنى من الأطفال، لشعورهم بثقافة العبء العائلي التي أصبح فيها الإنجاب عبئا على سعادة الأفراد، كما يتصورون".

وتابع "هناك توجه عالمي للاكتفاء بالحد الأدنى من الأبناء، ليس لمجرد ضيق المال فقط، كما في حالتي مصر وتونس، بل تماشيا مع أهمية الوعي بكيفية تلقي أطفالنا للعناية والرعاية النفسية والاجتماعية والذهنية".

وحذر أستاذ علم الاجتماع من عبور المجتمعات العربية من "الرفاهية الاجتماعية إلى الشيخوخة السكانية"، موضحا أن تونس دخلت منذ سنوات عتبات الشيخوخة السكانية التي يكون فيها معدل انجاب المرأة أقل من 2 بالمئة، ويسجل هذا المعدل حاليا في تونس نسبة 1.8 بالمئة.

وأضاف "في السنوات القادمة، ربما في مصر والسعودية، ستنتقل المجتمعات العربية من مرحلة الشباب السكاني إلى مرحلة من الشيخوخة".

انخفاض الإنجاب بالدول العربية حاليا طفيف جداً ولا يؤثر على التركيبة السكانية إلا على المدى الطويل.

ويرى مبروك أن ذلك "سيؤثر على تركيبة اليد العاملة، حيث ستلتجئ المجتمعات العربية أكثر فأكثر إلى استيراد اليد العاملة، حتى في المجتمعات التي لم تمارس ذلك من قبل، مثل المجتمع التونسي أو المغربي".

وزاد "سنجد كبار السن في عزلة، في ظل عدم وجود تسلسل للأجيال، كما ستزدهر مؤسسات جديدة تُعنى برعاية المسنين وستنمو مهن 'مساعدي الحياة' و'طب الشيخوخة' كما في الغرب".

في المقابل، يرى الخبير العربي والدولي في السكان والديموغرافيا ودراسات الهجرة، الأكاديمي المصري أيمن زهري، أن "الانخفاض في حد ذاته يعد أمرا إيجابيا وطبيعيا في كل الدول العربية، لأن هذا يعني وجود نوع من الحداثة".

وقال "من الطبيعي مع نمو الحضارة والإنسان أن ينشأ نوع من الذاتية، ويقل الإقبال على الزواج والإنجاب، ويصبح اهتمام الزوجين منصبا على جودة تنشئة الأطفال بشكل أفضل أكثر من عددهم، وهذا ليس أمرا سيئا".

ولا يتوقف الأمر على الظرف الاقتصادي، وفق زهري، صاحب الاهتمامات المبكرة بالديموغرافيا العربية والمصرية، مؤكدا أن "الظروف الاقتصادية السيئة لها تأثير سلبي على الانجاب في بعض الدول". واستدرك "ربما تؤدي الظروف الجيدة أيضا إلى العزوف عن الإنجاب، والرغبة في التمتع بالحياة بشكل شخصي، والرغبة في أن ينشأ الأطفال على قلتهم نشأة أفضل بكثير".

وعن إمكانية أن يؤدي الانخفاض بعدد المواليد إلى نوع من الشيخوخة السكانية، قال زهري "لا، هذا أمر بعيد المدى، يحتاج إلى 30 عاماً حتى يظهر".

وشدد على أن "انخفاض الإنجاب بالدول العربية خلال الفترة الحالية ليس كبيراً على الإطلاق، هو انخفاض طفيف جداً ولا يؤثر على التركيبة السكانية إلا على المدى الطويل".

وأضاف "بشكل عام، انخفاض الانجاب ليس له تأثير حالي، لكن تأثيره المستقبلي قد يظهر بعد فترة طويلة جدا"، وأوضح أنه رغم كون معدلات الانخفاض "طفيفة جداً، إلا أنها أخذت زخماً إعلامياً أكثر مما تستحق من الناحية العلمية".

ويتوقع الأكاديمي المصري استمرار التراجع بالمواليد، قائلا "سيستمر الانخفاض ويتزايد نتيجة للضغوط الاقتصادية في بعض البلدان، ونتيجة للتقدم المحرز في البلدان الأخرى لأن التقدم يعني خصوبة أقل، تماما كما حدث في أوروبا، ونحن نسير على نفس المسار".

وبين المخاوف والتطمينات، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي عضو الجمعية المصرية للتشريع والاقتصاد، الدكتور علي الإدريسي، أن انخفاض معدلات المواليد بالعالم العربي "لم يعد حدثا عارضا، بل تحول ديموغرافي واضح يعكس تغيرا عميقا في السلوك الاقتصادي والاجتماعي للأسرة العربية".

وأردف "هذا الانخفاض له تأثيرات حالية محدودة نسبيا، لكنه يحمل انعكاسات مستقبلية كبيرة على الاقتصاد والنمو وسوق العمل، وسيكون سلاحا ذو حدين، إما إيجابي كفرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاجية والمعرفة والتكنولوجيا وتخفيف الأعباء على خدمات التعليم والصحة وفرص لرفع نصيب الفرد من الإنفاق العام".

وتابع "تأثير الانخفاض قد يكون سلبيا إذا ترك دون تخطيط ليصطدم الاقتصاد لاحقًا بنقص العمالة وارتفاع أعباء الإعالة ورفع أعباء المعاشات والتأمينات والرعاية الصحية".

وأكد الإدريسي أن "المستقبل ليس في تشجيع الإنجاب العددي المباشر، ولا في ترك المسار بالكامل لقوى السوق والمجتمع، بل في إدارة ذكية ومتوازنة للتحول الديموغرافي".

وكحل وسط، قال أستاذ علم الاجتماع الدكتور مهدي مبروك "أعتقد أن الأمر يحتاج إلى قرارات في السياسات الرسمية، فمن مصلحة المجتمعات العربية حسب قدراتها وكفاءاتها ومواردها أن نتجنب التهرم السكاني الحاد، لأن التكلفة الاجتماعية والإنسانية والقيمية ستكون باهظة جداً".

وأضاف "لست مع إنجاب الكثير، أنا مع مسك العصا من الوسط، لا نذهب إلى تحديد النسل حتى نتجنب التهرم السكاني ومشاعر الوحدة واستيراد اليد العاملة وغير ذلك، ولكن أيضاً نتجنب العائلة كثيرة العدد، لأنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى الإهمال وعدم العناية بالأطفال".