"انقلاب" في جمهورييت يضعف آخر حصن للحرية في تركيا

حوالي 30 صحافيا يغادرون أعرق صحيفة تركية معارضة، ما يثير مخاوف على مستقبل هذه الصحيفة التي تأسست قبل حوالي قرن وتعتبر معقلا لحرية الصحافة تحاصره السلطات التركية.


انقسامات في جمهورييت تشطر فريق التحرير إلى معسكرين


قيادة جديدة تدعمها السلطة تدير أبرز وأقدم صحيفة تركية معارضة


اردوغان يفكك جمهورييت بالترهيب والوصاية والمحاكمات

 

اسطنبول - يضج مقر صحيفة جمهورييت في اسطنبول بحركة عادية فيعمل صحافيون على مقالاتهم ويتجمع مصورون لتناول الشاي، فيما علقت على الجدار صفحة أولى لعدد سابق بعنوان "لن تتمكنوا منا"، لكن خلف هذه الواجهة يدور خلاف داخلي في أكبر صحيفة مستقلة في تركيا.

وعرفت الصحيفة العريقة التي تعد من أشد منتقدي الرئيس رجب طيب اردوغان وتعرضت مرارا لمحاكمات وتهديدات، معركة داخلية ضارية أخلت صفوف أسرة تحريرها.

ففي بضعة أيام، غادر حوالي ثلاثين صحافيا، ما أثار مخاوف على مستقبل هذه الصحيفة التي تأسست قبل حوالي قرن وتعتبر معقلا لحرية الصحافة تحاصره السلطات التركية.

وبين المستقيلين بعض كبار أسماء الصحافة التركية مثل كاتب الافتتاحية قادري غورسال ورسام الكاريكاتور موسى كارت والصحافية تشيديم توكير.

وجاء هذا التحرك بعد تجديد مجلس إدارة المؤسسة مالكة الصحيفة في 7 سبتمبر/أيلول بعد صراع ضار استمر سنوات بين فصيلين.

وبعدما كان الفريق الليبرالي المؤيد لأوروبا وللقضية التركية يدير الصحيفة منذ 2013، أطاح به فصيل قومي أكثر تشددا في تمسكه بالإرث العلماني لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

من بين أبرز المستقيلين من الصحيفة المعارضة بعض كبار أسماء الصحافة التركية مثل كاتب الافتتاحية قادري غورسال ورسام الكاريكاتور موسى كارت والصحافية تشيديم توكير

وقال آيدن إنغين (77 عاما) الذي غادر "بلا أسف" قبل عشرة أيام الصحيفة التي عمل فيها أكثر من 15 عاما "الآن يعيدون ترتيب الصحيفة على صورتهم".

ويرى أحمد إنسيل المفكر الذي يحظى باحترام كبير وكان له ركن في الصحيفة منذ 2015، أن تغيير الإدارة يعني "فشل المحاولة لإقامة صحيفة منفتحة وليست منحازة لأتباع خطها السياسي".

وبذلك تطوي جمهورييت حقبة ليبرالية استمرت خمس سنوات تمكنت خلالها من ترك بصماتها في الأذهان، غير أنها شهدت كذلك متاعب كبرى.

وضاعفت الصحيفة بقيادة رئيس تحريرها في 2015 و2016 جان دوندار الأخبار الحصرية فكشفت على سبيل المثال قيام أجهزة الاستخبارات التركية بتسليم أسلحة إلى فصائل في سوريا، مثيرة غضب اردوغان.

وفي خريف 2016 جاء رد السلطات قاطعا فأوقف حوالي عشرين مسؤولا ومساهما في الصحيفة وصدرت أحكام بحق 14 منهم في ابريل/نيسان لإدانتهم بمزاولة "نشاطات إرهابية" في ختام محاكمة أثارت جدلا حادا.

وبقيت هيئة التحرير صامدة ومتضامنة في خدمة قضيتها وقال أحمد إنسيل "لم تكن جمهورييت تحقق مبيعات كبرى، لكن كان لها وقع وطني ودولي كبير".

لكن إن كان البعض في الداخل يرى في تلك السنوات "عصرا ذهبيا"، فإن أنصار التشدد في خط أتاتورك كانوا يتخوفون من التوجه الذي يسلكه الخط التحريري.

وقالت مينه كيريكانات العضو في هيئة التحرير الجديدة مبدية استياءها "أدخلوا إلى جمهورييت كاتبي مقالات لا دخل لهم بالفكر الجمهوري والعلماني".

وهي تتهم الفريق الإداري السابق بأنه قام بـ"الترويج للقضية الكردية والترويج لليبرالية" لتحصيل المزيد من الأموال من الاتحاد الأوروبي.

الصحيفة المعارضة دفعت ثمنا غاليا بسبب انتقاداتها الحادة لاردوغان
جومهرييت تعرضت للمضايقات والملاحقات القضائية بسبب مواقفها المناهضة لاردوغان

وفي مؤشر على عمق الخلاف بين المعسكرين، استدعى المدعي العام في محاكمة موظفي جمهورييت المتهمين بـ"الإرهاب"، عددا من زملائهم السابقين المستائين من خطهم للإدلاء بشهادتهم ومن بينهم أليف جوشكون العضو السابق في هيئة إدارة الصحيفة والذي انتخب في 7 سبتمبر/ايلول رئيسا للمؤسسة التي تملكها.

ويندد الفريق الذي خرج من الصحيفة اليوم بـ"انقلاب في القيادة" بدعم من القضاء الذي تسيطر عليه حكومة اردوغان.

وجرت انتخابات مؤسسة جمهورييت في 7 سبتمبر/ايلول بعدما أيدت محكمة استئناف التماسا يطلب إبطال انتخابات 2013 التي حملت الليبراليين إلى رئاستها.

لكن الإدارة الجديدة تنفي أي تواطؤ مع الحكومة من أجل السيطرة على الصحيفة.

في خريف 2016 جاء رد السلطات قاطعا فأوقف حوالي عشرين مسؤولا ومساهما في الصحيفة وصدرت أحكام بحق 14 منهم في ابريل بذريعة بمزاولة "نشاطات إرهابية" في ختام محاكمة أثارت جدلا حادا

وقالت شكران سونير العضو في مجلس الإدارة الجديد والتي بدأت العمل في الصحيفة في عام 1966 إن هذه المزاعم "مقززة"، مؤكدة "سنواصل مزاولة صحافة بعيدة عن أي تنازلات".

ولا تزال الحرب بين المعسكرين مستمرة، إذ يتهم المسؤولون الجدد الإدارة السابقة بهدر أموال الصحيفة من خلال دفع مبالغ طائلة لفسخ عقود قبل رحيلها، ما ينفيه المسؤولون السابقون نفيا قاطعا.

لكن المؤكد أن رحيل الأقلام البارزة من جمهورييت هي "خسارة لا توصف للصحافة التركية" في وقت باتت فيه معظم وسائل الإعلام تحت سيطرة مقربين من اردوغان، على حد قول ممثل منظمة "مراسلون بلا حدود" في تركيا إيرول أونديروغلو.

وقال آيدن إنغين "لا بد أن اردوغان مسرور جدا لما يحصل في جمهورييت"، مضيفا "جمهورييت كانت شوكة في خاصرته وهذه الشوكة ضعفت".