بارزاني يشخص علل العراق من سطوة الميليشيات الى إرث بريمر
أربيل - في حديث حمل مزيجاً من النقد الحاد والقراءة الواقعية، أعاد زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني فتح ملفّ أزمة الدولة العراقية بعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، مذكّراً بما وصفه بـ"الخلل البنيوي" الذي جعل العراق يعيش تحت وطأة ازدواجية السلطة وغياب المرجعية الدستورية الحقيقية.
ولم يكن حديث بارزاني، الذي أدلى به لقناة شمس الكردية من أربيل، مجرّد استعادة لمواقفه التقليدية حول العلاقة بين بغداد وأربيل، بل تحوّل إلى تشخيص شامل لأزمة الحكم في العراق، مبرزاً معالم الانقسام بين الدولة المركزية و"الدويلات" التي تفرض منطقها بالسلاح والنفوذ.
وشدد بارزاني في حديثه على نقطة مفصلية تتعلق بضعف الدولة العراقية أمام الميليشيات المسلحة، التي قال إنها تمثل اليوم مراكز قوة مستقلة تتحكم بالقرار السياسي وتفرض أجندتها على الحكومة.
وأكد أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني "غير قادر على مواجهة الفصائل المسلحة"، مشبها الوضع العراقي بـ"حالة حزب الله في لبنان"، في إشارة إلى توازن القوة المختل بين الدولة والجماعات المسلحة ذات الولاءات العابرة للمؤسسات الرسمية.
وهذه المقارنة لم تأتِ من فراغ، بل من قراءة بارزاني لمسار السنوات الأخيرة، حيث تحول السلاح المنفلت إلى أداة ضغط سياسي وعسكري موازية للدولة، ما أفقد بغداد قدرتها على فرض القانون وهيبة المؤسسات.
وبحسب بارزاني، فإن هذا الواقع يجعل العراق يعيش فعلياً "دويلات داخل الدولة"، لكل منها سلطتها وحساباتها الخاصة، مضيفاً أن "الفوضى تعم العملية السياسية، وكل طرف يعتبر نفسه دولة".
وعلى صعيد العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وجّه بارزاني انتقادات لاذعة إلى المحكمة الاتحادية العليا، واصفاً إياها بأنها مؤسسة "مسيّسة تستهدف إقليم كردستان"، وتعود جذورها إلى مرحلة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر. ويعكس هذا الاتهام تصاعد الخلاف بين أربيل وبغداد حول قرارات المحكمة التي أبطلت قوانين ومخصصات مالية تتعلق بالإقليم، ما زاد من حدة التوتر السياسي بين الجانبين.
ودعا الزعيم الكردي إلى تفعيل مجلس الاتحاد المنصوص عليه في الدستور، باعتباره المرجعية الدستورية الحقيقية التي يمكن أن توازن بين مكونات العراق وتحمي النظام الاتحادي. ومن وجهة نظره، فإن غياب هذا المجلس سمح للمحكمة الاتحادية بأن تتحول إلى جهة سياسية أكثر منها قانونية، ما أفقد الدستور روحه الاتحادية التي صيغت لضمان توازن السلطات بين المركز والأقاليم.
ورغم انتقاداته الحادة للواقع السياسي والقانوني، لم يتخلّ بارزاني عن دفاعه عن الدستور العراقي لعام 2005، الذي اعتبره "من أفضل دساتير المنطقة"، مشيراً إلى أنه شخصياً شارك في صياغته على مدى شهرين في بغداد "تحت القصف والهجمات الصاروخية". وبرأيه، فإن الدستور لا يفتقر إلى النصوص الجيدة، بل إلى الإرادة السياسية في تطبيقها، معتبراً أن الخلل الحقيقي يكمن في "تغليب الولاءات الحزبية والطائفية على مبادئ الدستور نفسه".
وبهذا المعنى، يرى بارزاني أن الدستور يمكن أن يكون أساساً لإعادة بناء الدولة إذا ما أُعيدت له مكانته كمظلة جامعة، لا كسلاح سياسي في يد طرف ضد آخر.
وفي سياق أمني، حذّر زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني من انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، معتبراً أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام تكرار سيناريو عام 2014 وعودة تنظيم داعش.
وقال "في عام 2011 خرجت القوات الأميركية، وبعدها جاء داعش. خروجها الآن سيعيد المشهد ذاته"، في إشارة إلى هشاشة الوضع الأمني وغياب الجاهزية الكاملة للقوات العراقية في مواجهة التهديدات الإرهابية.
وتاـي تحذيرات بارزاني في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل البرلمان العراقي لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ما يثير مخاوف من فراغ أمني قد تستفيد منه التنظيمات المتطرفة، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.
وفي تعليقه على النقاشات السياسية الجارية حول إمكانية منح منصب رئاسة الجمهورية للعرب السنّة بعد الانتخابات المقبلة، ردّ بارزاني بنبرة لا تخلو من السخرية قائلاً "ربما هناك شخص سنّي، كما يقال بالعراقي، ضارب دالغة على رئاسة الجمهورية"، لكنه أضاف أن المنصب أصبح "عرفاً واستحقاقاً للكرد" لما يحمله من رمزية بعد عقود من المعاناة.
وأوضح أن رئاسة الجمهورية باتت اليوم ذات بعد معنوي أكثر من كونها منصباً تنفيذياً، معتبراً أن "رئيس البرلمان أهم من رئيس الجمهورية من حيث الصلاحيات"، في تذكير واضح بأن توزيع المناصب في العراق يقوم على توازنات رمزية أكثر منها مؤسساتية.
وفي ختام حديثه، شدّد بارزاني على أن أي تغيير في التوزيع السياسي أو في شكل الحكم يجب أن يقوم على توافق وطني شامل لا يقصي أي مكوّن، لكنه في الوقت ذاته قدّم رؤية نقدية لواقع الدولة العراقية التي وصفها بأنها "دولة مقيدة بقيود الميليشيات والانقسامات السياسية"، داعياً إلى إعادة إحياء مؤسسات الدولة الدستورية وتحريرها من سطوة السلاح والولاءات الضيقة.
وتصريحات بارزاني، وإن جاءت في سياق حوار إعلامي، تعكس تحوّلاً في لهجته من الدفاع عن حقوق الإقليم إلى نقد شامل لبنية النظام العراقي، حيث لم يعد الخلل مقتصراً على العلاقة بين أربيل وبغداد، بل امتد ليطال جوهر الدولة ومؤسساتها.
وبين السطور، يبدو أن الزعيم الكردي أراد توجيه رسالة أبعد من حدود الإقليم: أن بقاء العراق موحداً يتوقف على قدرته في استعادة الدولة من أيدي من وصفهم بـ"الدويلات داخل الدولة"، وإعادة الاعتبار للدستور كمظلة توازن بين السلاح والسياسة، بين المركز والأطراف، وبين الدولة والفوضى.