بريكست وصفة سياسية غير ناجعة

لا يمكن للبريطانيين أن يكونوا أميركيين، مثلما لا يمكن نزع جلدتهم الأوروبية تحت أي دافع للتفوق بغرور.


بريكست يعني السير في طريق الأمل الأعمى

المقهى في المدن البريطانية فضاء يحمل نوعا من الوئام النفسي، إنه معادل للمنزل في الاطمئنان، لكنه أكثر انفتاحا على الناس، غالبية الناس تجد الحل في المقهى، لذلك ستبقى صورة طبق الأصل من كوزموبوليتيكية لندن، هي مكان للاسترخاء والتفكير، مثلما تمنح القراءة متعة مضافة، المقهى أيضا مكان يحفز على الكتابة، أو على الأقل صناعة أفكارها الأولية، يمكن أن نتخيل أن سايمون جينكينز أو ماثيو باريس قد صنعا أفكار أهم ما كتباه في الغارديان والتايمز في المقهى.

قد أعبر عن نفسي في علاقتي بالمقهى وأشعر بامتيازها النفسي، لكنني أجد الكثير غيري ممن يتسقون مع هذه الفكرة، لذلك لا أفرط في هذه الفرصة كلما سنحت لي، ومن حسن حظي أن المقهى القريبة من منزلي تعبر عمّا أتوق إليه، مكان يجمع الناس للقراءة والتحاور الهادئ وبث نوع من السعادة.

تفاجأنا بعد أعياد رأس السنة أن تلك المقهى أقفلت أبوابها، لم نتخيل أمرا غير طبيعي خصوصا في موسم الأعياد، وبطبيعة الحال تتوفر مجموعة من المقاهي القريبة منها يمكن ارتيادها، لكن العلاقة بالمكان أشبه بلمسة حنين مرتبط بالماضي، عندما تقول هذا مكاني وكأنك ولدت فيه!

اخترت مع زوجتي اقرب مقهى كبديل مؤقت على أمل إعادة فتح المقهى السابقة أبوابها قريبا، وفوجئت بنادلة مقهانا الأولى قد انتقلت للعمل في المقهى الثانية، كان أمامي ثلاثة رواد أطلقوا نفس السؤال عليها قبل طلب القهوة! ما مصير المقهى؟ لقد جهزت النادلة نفس الإجابة إلى الجميع: أقفلت من دون رجعة وعاد صاحبها الألماني إلى بلده!

لم نكن ندري أن مالك المقهى ألمانيّ، لكن نفس الفكرة تبادرت لذهن جميع الرواد بعد إجابة النادلة، إنه بريكست الملعون من أقفل مقهانا المفضلة ويواصل دفعنا إلى حافة الهاوية. فالرجل لم يعد له مكان في بيئة أضحت قلقة، مع أن مشروعه التجاري كان ناجحا ويستقطب المزيد من الرواد.

يا… لبريكست، همس أحد الرواد الإنكليز بصوت خافت لزوجته، أقفل حتى المقاهي الجميلة! بريكست ليست وصفة سياسية غير ناجعة فحسب، بل إنه أفسد حتى طعم القهوة، لأن أهمية بريطانيا بأوروبيتها، وليس كافيا أن تكون اللغة المشتركة مع الولايات المتحدة طريقا لاختصار الجغرافيا. لا يمكن للبريطانيين أن يكونوا أميركيين، مثلما لا يمكن نزع جلدتهم الأوروبية تحت أي دافع للتفوق بغرور.

ربما أخر ما كتبه ماثيو باريس كان في مقهى لندنية على وشك الإقفال لمالك فرنسي أو إيطالي…، لذلك طالب بأن يتولى البرلمانيون المعارضون ملف بريكست. وكتب ماثيو في صحيفة التايمز في إشارة إلى الوصفة التي لا يمكن تطبيقها “ليس هناك أي قيادة، لا داخل الحكومة ولا في المعارضة قادرة على مساعدتنا على الخروج من هذا المستنقع”.

عظمة بريطانيا تكمن في التنوع والتسامح والانفتاح على الآخر، يكفي أن نستمع إلى سبعين لغة في لندن وحدها، وهذا سبب كافٍ لأن يرفض أهالي لندن بريكست، لأنه ليس حلا لمشكلة بقدر ما هو سير في طريق الأمل الأعمى للدخول في هاوية لم تكن بريطانيا مضطرة للذهاب إليها.