بزنس عقائدي دولي!

التحرير مشروع تنويري في أساسه. كيف يمكن لقوى ظلامية أن تحققه.


لقد حققتم لاسرائيل ما كانت تحلم بتحقيقه من دون ان تخسر شيئا


بأي عمق بشري ولوجستي تحاربون، وقد انهكتم دولكم وشردتم شعوبكم وجوعتموها


علاقة التنظيمات الاسلامية بمرجعياتها الخارجية جعلت نشاطها اقرب الى البزنس بغطاء عقائدي

في مسلسل بدوي، شاهدته قبل اكثر من عقدين، اتذكر مشهدا ظهر فيه احد رجال قبيلة ومن اشرافها وسط مجموعة من ابناء قبيلته يجهزون انفسهم للخروج بحثا عن رجل منهم خرج ولم يعد. كان الرجل يسأل عن مدى استعداد المجموعة ويتفقد تجهيزاتها من سلاح وعتاد وطعام وماء وغيره، ثم قال بالنص وبلهجته البدوية: ولزوم يكون معانا حكيم (طبيب). وهكذا اطمئن الى كمال الاستعدادات قبل خروجهم للبحث عن الرجل الذي قد يكون مخطوفا او ضل طريقه او مريضا او غير ذلك، وفي كل الاحوال لابد من الاستعداد لمواجهة هذه الاحتمالات بما تستحق.

هذا المشهد الذي يعكس ثقافة فطرية سبقت حتى مرحلة البداوة، يؤكد على مسالة مهمة، تسمى بلغة اليوم "إستراتيجية المواجهة"، اي انك عندما تعقد العزم على مواجهة خصم، معلوم او مجهول، حقيقي او محتمل، عليك ان تكون مستعدا، سواء بالوسائل البدائية التي عبر عنها المسلسل البدوي، وفقا لمرحلته وبيئته، او بالطريقة الحديثة المتمثلة باستعدادات الدول، حين تفرض عليها مواجهة معينة، واخطرها واقساها المواجهة الشاملة، عندما يكون فيها الصراع مصيريا، بمعنى ان هكذا مواجهات، تستدعي ان يكون الاستعداد مبنيا على رؤية استراتيجية متكاملة، اي ان تكون مستعدا سياسيا من خلال علاقاتك الدولية واقناع العالم بقضيتك، واقتصاديا بما يؤمن عدم حصول خلل يؤدي الى انهيار الشعب والجيش، وامنيا حين تنضبط المعادلة الداخلية على قاعدة من التفاهم والتعاون بين مؤسسات الدولة والشعب.

بعد الاحباط الذي حصل نتيجة فشل الانظمة العربية والاسلامية في حل القضية الفلسطينية، حربا او سلما، ظهرت تنظيمات اسلامية مسلحة تبنت هذه القضية ورفعتها شعارا، وقد اصطدمت بالأنظمة في دولها، بهدف اسقاطها واقامة انظمة بديلة تعكس ثقافتها، لتحرر فلسطين! الشيء اللافت في هذه الظاهرة التي استشرت في العقود الاخيرة، ان لكل من هذه التنظيمات مرجعيته الخارجية، تدعمه ماديا ومعنويا وتضبط ايقاعه وتتحكم به، ما ادخل هذه التنظيمات في لعبة الصراعات الدولية والاقليمية، بدءا من تنظيم القاعدة في افغانستان الذي استثمر من قبل اميركا وحلفائها لمواجهة الوجود السوفيتي هناك، وصولا الى التنظيمات الاخرى التي تناسلت بشكل غريب، لاسيما بعد اندلاع ما عرف بالربيع العربي، حيث حوّلت الدول التي نشطت فيها الى ميادين لصراع دموي شرس، وبالنيابة، لان علاقة هذه التنظيمات بمرجعياتها الخارجية جعلت نشاطها اقرب الى البزنس بغطاء عقائدي، يستدرج المغفلين ويوظفهم في لعبته الكبيرة التي لا يعرف اهدافها البعيدة هؤلاء "المجاهدون" ممن تسهّل اجهزة المخابرات، ايصالهم الى الميدان المطلوب، وهكذا صرنا نرى عشرات المسميات ذات العقيدة الاسلامية، او هكذا تدّعي، تحارب بعضها بعضا، كنتيجة لخلافات مرجعياتها الخارجية وصراعها على النفوذ في هذه الدولة او تلك، وفي الوقت نفسه يدعي قادتها ان هدفهم النهائي هو تحرير فلسطين!

السؤال الذي صار يطرحه عليهم ابسط الناس واقلهم معرفة بالسياسة، هو؛ كيف تحررون فلسطين وانتم بلا استراتيجية مواجهة حقيقية، لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا عسكريا، ولا حتى ثقافيا، اي انكم غير قادرين على اقناع ابناء بلدانكم في مشروعكم الظلامي الذي تريدون فرضه عليهم بالقوة!؟  اضافة الى انكم بلا سلاح ردع استراتيجي يوازي ما لدى اسرائيل.. وباي عمق بشري ولوجستي تحاربون، وقد انهكتم دولكم وشردتم شعوبكم وجوعتموها وحولتم الناس فيها الى لاجئين، بالتزامن مع تدميركم مرتكزات الاقتصاد واللّبنات الاساسية لبلدانكم؟

لقد حققتم لاسرائيل ما كانت تحلم بتحقيقه من دون ان تخسر شيئا، فبينما انتم تتقاتلون وتحلمون بان يبقى الاقوى من بينكم ليتوجه الى اسرائيل، تحقق الاخيرة مكاسب على الارض، بفضل ما سببتموه من شلل في قدرات دولكم وشعوبكم.. فأية خيبة اقسى من هذه؟!

نعم، نحن نعيش زمن البزنس العقائدي، والدكاكين العسكرية المفتوحة، بعد ان صارت هذه لعبة المخابرات الدولية المفضلة، حيث تزامنت خصخصة الحروب مع خصخصة الاقتصاد، وصار تفاقم هذه الظاهرة واتساعها، مقترنا بضعف الدول وانهيارها، فتحولت الى مخازن بشرية، تمثل العمق الذي لا ينضب لتلك التنظيمات التي اضاعت شبابنا ودولنا ومستقبلنا معا!