بغداد.. بحاجة لأمثال النَّاصر لدين الله

رشيد الخيّون
مرة أخرى نرى أصغر قائد ميليشيا أقوى مِن رئيس وزراء.

بدأت الدولة العباسية بالانهيار، بعد هيمنة الغلمان التُّرك ومسلحيهم على الخلفاء، حتى قيل: «خليفةٌ مقتسم/بين وصيف وبغا/ يقول ما قيل له/ كما تقول الببغا» (الصَّابئ، تحفة الأُمراء)، ثم تمكنت ميليشيات تشكلت ببلاد فارس وما وراءها، نمت عنها سلطنات قاهرة كالبويهية والسلجوقية، ولم يبق للخليفة سوى الدعاء والخطبة، فكثرت الحروب الداخلية، وتعاظمت الطَّائفية، بين بويهيين ديالمة وسلاجقة أتراك.

قضى السَّلاجقة على البويهيين، وتعاظم أمرهم، حتى فتحوا مدرسة «النَّظامية»، وكانت مغلقة للشافعية (الأسنوي طبقات الشّافعية)، قيل في مدرس اضطر لتبديل مذهبه، كي يعمل فيها: «وما اخترت رأي الشَّافعي ديانةً/ ولكنْ لأن تهوى الذي منه حاصلُ»(نفسه)، أما البويهيون فانشغلوا بالحروب مع إمارة البطائح والحمدانيين والفاطميين، وكان المتحاربون شيعةً كافة.

ظلت الدولة العباسية اسماً بلا محتوى، وصل حالها إلى أن زعيم الميليشيا البويهي سحب الخليفة على الأرض، أمام الشريف الرَّضي (ت406هـ)، فامتعض الأخير مِن السعي إلى الخلافة، قائلاً: «أمسيت أرحم مَن قد كنت أغبطه/لقد تقارب بين العزِّ والهونِ»(أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر)، كلُ جماعةٍ تُريد السيطرة لا بد أن تكون وجهتها بغداد، فإذا هيمنت عليها هيمنت على أمصار الخلافة كافة، وهذا ما كان للبويهيين والسلجوقيين.

إنها تجارب تتكرر بأشكال مختلفة، قوى تمتد فلولها مِن الخارج إلى بغداد، ولكلٍّ منها عنوانه وشعاره، والطَّائفية العتاد، وما للخليفة غير الراتب والدعاء والخُطبة، وهنا لا نستغرب ما آل إليه واقع الحال ببغداد اليوم، أن أصغر قائد ميليشيا أقوى مِن رئيس وزراء، وأن قائد ميليشيا يُهدد صاحب أعلى مركز في الدَّولة، والحال كان في السابق قائماً، حتى جاء الخليفة النَّاصر لدين الله (ت622هـ)، فقمع آخر فلول السَّلاجقة بالشَّرق.

بدأت الخلافة العباسية، منذ عهد المستنجد بالله (اغتيل 566هـ) تستعيد قوتها، ودخلت بحروب مع ميليشيات السَّلاجقة، خصوصاً بعد انهيار الدَّولة الفاطمية بمصر(334-567هـ)، إلى أن تمكن النَّاصر لدين الله بالقضاء التَّام على السلاجقة، فأعاد للدولة هيبتها، وكان يجول بين الأحياء لبسط الأمن، وقمع الخارجين، وقلل المكوس والضرائب، وظهر كأنه أسّس الدَّولة مِن جديد، استفاد مِن فترة حكمه الطويلة (575-622هـ)، فلم يزل «مدة حياته في عزٍّ وجلالة، وقمع الأعداء، والاستظهار على الملوك، لم يجد ضيماً، ولا خرج عليه خارج إلا قمعه، ولا مخالف إلا دمغه، وكان شديد الاهتمام بالمُلك ومصالحه، لا يكاد يخفى عليه شيء، مِن أمور رعيته كبارهم وصغارهم» (الصَّفدي، نَكت الهميان في نُكت العميان)، فقد النَّاصر البصر في أواخر حياته، لذا عده صلاح الدِّين الصَّفدي(ت764هج) ضمن ما عد مِن أعلام العميان.

بعد وفاة النَّاصر، جاء ولده الظَّاهر بأمر الله (ت623هـ)، فوسع ما شيده والده، وقلل مِن الشَّدة بعد استقامة الأمور، وقمع الخارجين، ولأن فترة والده قد طالت، استفحلت مِن جديد قوى مِن داخل السُّلطة، فلما أتى خاطبهم: «انتهزتم فرصاً مختلسة، مِن براثن (مخالب) ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظٍ مختلفة على معنى، وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، وتمزجون باطلكم بحقه، فيطيعكم وأنتم له عاصون»(ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ).

كان الأغرب، على عصر بغداد اليوم، أن يتخذ النَّاصر الإمامية مذهباً (نفسه/ابن الطقطقي، الفخري) خاصاً وليس للدولة، ويتعاضد مع صلاح الدين الأيوبي (ت589هـ) الشَّافعي، ويُعيد الأخير مكانة الخليفة بمصر والشَّام، وإن اختلف المذهب، وعند أخذ القّدس من الإفرنج، يضع لوحاً على باب بيت المقدس (583هـ) يسند الانتصار للناصر بأمر الله! أما ما كتبه ابن الأثير (ت630هـ) ضد النَّاصر، فلا يؤخذ إلا مِن موقف خاصٍ به، لا يتفق مع مؤرخي ذلك العصر.

أقول بغداد بحاجة إلى قوة، كي يُعاد الاعتبار للدّولة المنهكة، مِن قِبل الميليشيات والفاسدين، ليس بالضرورة أن يكون النَّاصر، في عصرنا، شخصاً، ليكن برلماناً ورئاسات شديدة البأس على حملة السلاح، وأمينة على العراق وأهله، لا حكومة ضعيفة توزع الغنائم على أصحاب الميليشيات، بعذر أنها قوى سياسة، وهم يعلون وينزلون مِن يضمن مصالحهم مِن الوزراء ورؤسائهم.