الكُرد في المنطقة الرمادية : قراءة في توازنات القوة والتحولات الدولية
تشهد المنطقة الممتدة من شرق المتوسط إلى الخليج تحوّلات بنيوية غير مسبوقة، بحيث أعادت رسم أولويات القوى الدولية والإقليمية، ووضعت الفاعل الكُردي – سياسياً وجغرافياً – في قلب معادلة جديدة لم تعد تُدار بمنطق ما بعد الحرب الباردة، بل بمنطق الصراعات المركّبة، وتوازنات النفوذ، والحروب غير المتناظرة.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقات الأميركية–الأوروبية–الإسرائيلية مع الكُرد كملف مفتوح على احتمالات متعددة، تتقاطع مع التحركات التركية، والأزمات البنيوية في إيران والعراق، والتغيرات العميقة في سوريا، فضلاً عن إعادة تموضع روسي حذر في المنطقة.
الكُرد في الاستراتيجية الأميركية: من الشريك الميداني إلى الورقة الجيوسياسية
لم تعد العلاقة الأميركية مع الكُرد علاقة ظرفية مرتبطة حصراً بمحاربة الإرهاب، كما كان الحال في مرحلة "داعش"، بل تحوّلت إلى علاقة وظيفية طويلة الأمد، لكنها محدودة السقف؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى الكُرد بوصفهم:
قوة استقرار نسبي في مناطق هشّة.
أداة توازن في مواجهة تمدد إيران واحتواء تركيا، لكن دون الصدام المباشر معها.
وسيلة ضغط سياسية تُستخدم ولا تُستثمر بالكامل.
إلا أن واشنطن، في المقابل، لا تُظهر استعداداً لدعم أي مشروع قومي كُردي مستقل، بل تفضّل الإبقاء على الكُرد داخل كيانات الدولة القائمة، مع منحهم هامش حكم ذاتي قابل للتفاوض والضبط. وهذا التناقض البنيوي في السياسة الأميركية سيبقى العامل الأكثر إرباكاً للقيادات الكُردية.
أوروبا... التعاطف الأخلاقي والعجز الجيوسياسي
الدول الأوروبية أكثر ميلاً للاعتراف بالمظلومية الكُردية، لكنها أقل قدرة على تحويل هذا التعاطف إلى سياسات حاسمة. أوروبا ترى في الكُرد شريكاً في ملفات الهجرة، ومكافحة الإرهاب، وحقوق الأقليات، وعامل توازن ناعم في سوريا والعراق، لكنها تصطدم بثلاثة قيود رئيسية:
الخوف من القطيعة مع تركيا.
التبعية الأمنية للمظلة الأميركية.
غياب رؤية أوروبية موحّدة للشرق الأوسط. وبالتالي، ستبقى العلاقة الأوروبية الكُردية داعمة سياسياً وإعلامياً، لكنها محدودة الأثر الاستراتيجي.
العلاقات الكُردية–الإسرائيلية
ما يُتداول عن العلاقات الإسرائيلية–الكُردية يتضمن جانباً صحيحاً وآخر مبالغاً فيه، وهي من أكثر العلاقات حساسية وأقلها علنية. وهذه العلاقة ليست تحالفاً رسمياً بل تقاطع مصالح قديم، خصوصاً منذ ستينيات القرن الماضي؛ إذ نظرت إسرائيل تاريخياً للكُرد كأقلية أو كونهم قومية غير عربية يمكن أن توازن خصومها الإقليميين (العراق، إيران، سوريا، تركيا). وفي المقابل، رأت بعض القيادات الكُردية في إسرائيل قناة دعمٍ سياسي أو استخباري، خاصة في أوقات العزلة والحصار، لكن العامل الأهم هو البراغماتية لا الأيديولوجيا.
الواقع الحالي: لا توجد علاقات دبلوماسية معلنة، والاتصالات – إن وُجدت – غالباً ما تكون غير مباشرة، أمنية أو اقتصادية محدودة. كما أن الشارع الكُردي نفسه منقسم، وكثير من الشرائح الكُردية يرفضون أي علاقة بسبب فلسطين ولأسباب دولية وإقليمية أخرى.
لماذا يُضخم الموضوع؟ يُستخدم سياسياً لتشويه الكُرد أو لتخويف دول المنطقة، وأي تواصل صغير يُقدّم وكأنه "تحالف استراتيجي".
المستقبل: سيبقى محدوداً وسرياً إن استمر، وأي انفتاح علني مستبعد لأن الكُرد محاطون بدول رافضة لإسرائيل، فالكلفة السياسية أعلى من الفائدة. ومستقبل هذه العلاقة مرتبط بشكل الدولة الكُردية (في حال تأسيسها) وبميزان القوى الإقليمي. ويمكن القول إن إسرائيل تُصوّر نفسها أمام العالم على أنها تنظر إلى الكُرد من زاوية استراتيجية بحتة وهي: تفكيك الطوق الإقليمي المعادي، وخلق توازنات جديدة على أطراف إيران والعراق وسوريا وتركيا. لكن إسرائيل، رغم تقاطع المصالح، لا تملك القدرة ولا الرغبة الحقيقية حتى الآن في دفع المشروع الكُردي إلى الاستقلال، بل تفضّل بقاءه عامل ضغط دائم داخل المنظومة الإقليمية.
تركيا... من سياسة الاحتواء إلى إدارة الصراع المفتوح
التحركات التركية الأخيرة في سوريا والعراق تؤكد أن أنقرة انتقلت من مرحلة منع قيام كيان كُردي إلى مرحلة إعادة هندسة الجغرافيا السياسية الكُردية. وتركيا تستخدم القوة العسكرية المباشرة، وتوظّف الفصائل المحلية، وتفاوض القوى الكبرى من موقع الابتزاز الجغرافي. وفي ظل غياب موقف دولي حازم، ستستمر أنقرة في فرض معادلتها ما لم يتمكن الكُرد من بناء موقف سياسي موحّد قادر على المناورة الإقليمية.
إيران والعراق... الكُرد بين الإنهاك الداخلي وصراع النفوذ
إيران تنظر إلى أي صعود كُردي بوصفه تهديداً وجودياً داخلياً، خاصة في ظل الاحتجاجات والتصدعات الاجتماعية، لذلك ستواصل سياسة القمع الأمني والاحتواء السياسي واستخدام الورقة الكُردية في مفاوضاتها مع الغرب. أما العراق، فسيبقى ساحة صراع بين مشروع دولة هشّ، ونفوذ إيراني، وطموحات كُردية تصطدم بأزمات داخلية في البيت الكُردي نفسه.
الكُرد والمحيط العربي... فرصة تاريخية لم تُستثمر بعد؟
العلاقة الكُردية العربية تمر بمرحلة إعادة تعريف؛ فهناك إدراك عربي متزايد بأن الكُرد ليسوا مشروع تفكيك، بل شريك محتمل في إعادة بناء الدولة. لكن هذه الفرصة تصطدم بإرث قومي ثقيل، وضعف الخطاب السياسي الكُردي الموجّه للعرب، واستغلال بعض الأنظمة للورقة القومية. والمستقبل هنا مرهون بمدى قدرة الكُرد على تقديم أنفسهم كجسر استقرار لا كعامل صراع.
الدب الروسي... براغماتية باردة وحدود صارمة
روسيا تتعامل مع الكُرد بمنطق الصفقة لا التحالف، وتستخدمهم كورقة ضغط على أنقرة ودمشق وكأداة تفاوض مع واشنطن، لكنها لن تدعم مشروعاً كُردياً يتجاوز الخطوط الحمراء للدولة المركزية؛ لأن ذلك يتناقض مع فلسفتها في إدارة الأقليات داخل فضائها الخاص.
أي مستقبل للكُرد؟
إن المعادلة الدولية حتى الآن لا تمنح الكُرد لحظة تاريخية جاهزة، بل نافذة ضيقة للمناورة. والمستقبل الكُردي لن يُصنع أبداً بوعود القوى الكبرى، بل بوحدة القرار السياسي الكُردي، وخطاب إقليمي عقلاني، وفهم عميق لتناقضات اللاعبين الدوليين.
ويجب القول إن الكُرد اليوم ليسوا على هامش التاريخ، لكنهم أيضاً ليسوا في مركزه، إنهم في "المنطقة الرمادية"؛ حيث تُصنع الفرص أو تُهدر. وكل مستقبلهم مرتبط بقدرتهم على الدهاء والمناورة، وذكائهم في التعامل مع التحولات الدولية، وفهمهم العميق لسياقات الأحداث. فهنا تتشكل الفرص أو تضيع، وحيث ينجح الفهم الاستراتيجي يُكتب التاريخ، وحيث يغيب يغرق الطموح في المجهول.