"بلا ما تسول" .. البحث عن الأحلام في كوابيس اليقظة                                                                                                        

العنوان من أغرب عناوين النصوص المسرحية، غرابة تتمثل في الدعوة إلى الحد من طرح السؤال (لا تسأل).


في كثرة الأسئلة التي يطرحها العرض ما يكفي


الحوار الذي دار بين ربة البيت والوافدة الجديدة الخادمة (البداية) سار في اتجاه تكريس الفعل الدرامي

بقلم: د. عبدالرحمن بن إبراهيم

"بلا ما تسوَّلْ" نص درامي من تأليف محمد زيطان، سينوغرافيا ياسين الزاوي وإخراج ياسين أحجام، العمل من إنجاز مؤسسة أرض- الشاون للثقافات.
1 -  قراءة في العنوان:     
العنوان جملة عامية تفيد النهي للمخاطَب الذي هو المتلقي، قارئاً للنص أو متفرجا على العرض، وإذا كانت بعض العناوين ذات صيغ غير مألوفة بهدف إثارة الانتباه وشد النظر وهي عملية محمودة، بل ومطلوبة، فإن هذه العبارة "بْلا ما تْسوَّلْ" من أغرب عناوين النصوص المسرحية، غرابة تتمثل في الدعوة إلى الحد من طرح السؤال (لا تسأل)، وإذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه، فأية قراءة ممكنة لهذا العنوان؟ فهو لا يحمل معنى في ذاته، كما لا يتضمن أية حمولة ذات إحالة معينة. 
ولا شك أن المستهدف بهذه الصيغة المستفزة والقمعية هو المتفرج الذي يراد تحفيزه بطرح السؤال المضاد: وَعْلاشْ بْلا ما تْسوَّلْ (لماذا عدم طرح السؤال؟)، ربما لأن في كثرة الأسئلة التي يطرحها العرض ما يكفي، وحَسْبُ المتلقي أن يتلمس الإجابة، وهذا ما استطعنا استنتاجه بعد المشاهدة .
2 - الشخصيات :
تم توزيع الأدوار على الشاكلة التالية :
يونس شارة في دور الفدفادي الأب .حسناء المومني مثلت دور الطاهرة زوجة الفدفادي .
محمد الرميشي في دور سمير الإبن .وفي دور الخادمة كانت قدس جندول.

ما كل شيء يقال، ومن شأن ذلك، أن يشد انتباه الجمهور، وأن يبعث فيهم الإحساس بجمالية العرض، ويوقظ الإعجاب أكثر بأداء مشخصين على درجة من الاقتدار

 الفدفادي: شخص إقطاعي أناني، سادي، فظٌّ غليظ القلب. هدد أكثر من مرة جاره المثقف الذي كان محط إعجاب الطاهرة والخادمة أيضا. 
 *  الطاهرة :امرأة جميلة، أنيقة، تعتني بنفسها وتعتبر نفسها سيدة راقية، لكنها تعيسة الحظ، ومحرومة من الحب بسبب لامبالاة زوجها المجرد من كل حس إنساني، وكم مرة انتظرت منه أن يسمعها كلمة مؤثرة، وأن يبادلها حبا بحب، وأن يضمها إلى حضنه، ويلقي بها في أتون قُبلة حارة ذات لهب، لكن بدون جدوى، وكم مرة ذكَّرَتْهُ بأنهما لم يتعانقا منذ أمد طويل، لم يكن يُقيم اعتباراً لنداءاتها التي لا تنتهي رغم توسلاتها، فقدت الأمل ويئست من وصاله، وسوف يتبين أنها التمست الحب لدى الجار، وكشفت عن ولعها به حين أمرت الخادمة بعدم الاقتراب من النافذة، وبالكف عن استرقاق النظر إلى مسكنه المقابل، وألا تزاحمها في مسعاها . 
* سمير ابنهما: يعاني من شلل نصفي، مُقعد، يلازم كرسيه المتحرك بسبب طلقة نارية من بندقية تعود في الأصل إلى الفرنسي فرنسوا الذي قتل غدراً من طرف الفدفادي، فاختلس أمواله واستولى على ممتلكاته، من بينها البندقية، الابن يتهم أباه بأنه السبب المباشر في إعاقته الجسدية، وأنه أطلق العيار الناري عن قصد انتقاماً منه بعد أن راودته شكوك في كون سميرة - التي استنفر جسدُها الغضًّ غريزَته الجنسية - على علاقة بابنه.
*  سميرة : خادمة البيت الجديدة، تعاني الفاقة والحاجة وقلة ذات اليد، عملت نادلة بحانة، ثم شغّالة في أكثر من بيت، وانتهى بها المطاف في بيت الفدفادي والطاهرة، كانت على صلة حُبٍّ بسمير حسب ما يزعمه سمير، لكنه كان حبا من طرف واحد، من طرف سمير .
3 -  الحوار : 
الحوار الذي دار بين ربة البيت والوافدة الجديدة الخادمة (البداية) سار في اتجاه تكريس الفعل الدرامي حين صرخت الطاهرة في وجه سميرة الخادمة محذرة إياها بألا تمس المزهرية الموضوعة فوق المنضدة، وسوف يتحول الحوار فجأة بين سمير وسميرة إلى حوار استرجاعي يحيل على زمن مضى - كمفرٍّ من مواجهة قسوة الواقع - حين ذَكَّرها بعلاقة الحب جمعت بينها قبل أن يفترقا، ليأخذ الحوار مجرًى في اتجاه التصعيد بدخول الأب الفدفادي في مواجهة مع ابنه الذي اتهمه بإطلاق رصاصة عليه كانت السبب في إعاقته، وسوف يزداد الوضع تعقيدا أكبر حين توجه الفدفادي بالكلام نحو شخصية مفترضة (الجار)، وقد سدد فوهة البندقية صوبه عبر النافذة مهددا إياه بالقتل، كما قتل شخصية من قبل (فرانسوا)، وسوف يأخذ الحوار اتجاها غير متوقَّعٍ حين توجهت الطاهرة بخطاب يفيض حميمية ويلتهب شغفا إلى زوجها متوسلة عناقا وضمَّة وقُبلة، مذكرة إياه بأنه لم يفعل منذ أمد بعيد، لتنتقل - يائسة من نيل مرادها من الفدفادي الفاقد للدفئ العاطفي - بالحوار نحو سميرة - بدافع الغيرة الحارقة - منبهة إياها بأن تكف عن إغواء الجار .
لقد بدا الحوار عقيما بين الشخصيات، لأنه لم يحقق التواصل بينها، إلا أنه ساعد على الغوص في أعماق كيانها، وأعان على إدراك أبعادها النفسية والاجتماعية، وأمكنه أن يُعَرِّفَ بدوافعها اللاشعورية .
إن لاجدوائية الحوار ليس سوى انعكاس لهشاشة شخصيات هوجاء تحولت إلى مجرد حالات هائمة على وجهها، باحثة عن ذواتها كمن يجري وراء سراب بلا منتهى، فلا الفدفادي سعد بماله، ولا زوجته المتشظية بين رجلين نالت مرادها، ولا ابنهم المقعد استرد كرامته، حتى الخادمة لفظته من دون أن تبدي أي إشفاق عليه . 
إن العقدة في هذه المسرحية هي الخوف الجاثم على الأفئدة، والأنانية المفرطة في السادية، والغيرة العمياء التي دمرت قيم الحب والنبل والتضحية والإيثار، وحولت الفدفادي إلى كائن بشري مسكون بدوافع متوحشة، ومجرد من كل ما هو جميل ورفيع، وأحالت كلاًّ من زوجته وابنه إلى حالتين فاقدتين للحس الإنساني الناعم، ومفتقرتين إلى الدفء الأسري الحالم. 
إن الأمر في هذه المسرحية يتعلق بمأساة عاطفية مدمرة لم تُبْقِ ولم تَذَرْ، بدت معها الشخصيات إما قاتلة أو مقتولة أو مهددة بالقتل المادي أو المعنوي .
4 –  الحبكة المسرحية :
إن نجاح أي عرض مسرحي مرهون بالدرجة الأولى بالتنظيم المحكم لمكوناته (الشخصيات، الأحداث، الحوار، الموضوع، قطع الأثاث، المؤثرات الموسيقية) التي تتكامل فيما بينها لتشكل عالما متخيَّلاً ينهض على معمار فني يحتل فيه الحدث (الموضوع) المكانة الرئيسة. فعملية التشخيص تبدأ بإدراك المقومات النفسية والمعنوية والحالة اللاشعورية للشخصية المسرحية من خلال درجة تفاعلها مع الحدث/الأحداث في صيرورتها من خلال حتمية درامية من البسيط إلى المركب. 
إن الحدث الدرامي "يُستخدم فعلا كي يُصَوَّرَ به شخصية ما، ولكنه يتعرض للشخصية بسبب علاقتها بالفعل. ومن ثمة، فإن مجرى الأحداث – أي الحبكة – يشكل غاية التراجيديا؛ والغاية في كل شيء، أهم ما فيه"
إن أسبقية الحدث عن الشخصية مرده إلى كون الفعل المسرحي يتبدى في الحدث أكثر مما يتبدى في الشخصية؛ ومن الممكن الحديث عن فعل مسرحي بدون شخصية. فالجار – على سبيل المثال - شخصية مفترضة وغير مرئية، لكنها مؤثرة في تطور الأحداث وصانعة لها، ومساهمة في الارتقاء بها إلى ذروة التعقيد. وإذا عجز الفدفادي والطاهرة وسمير وسميرة عن صنع حدث، أو على الأقل التأثير في مجراه، فإن الجار شكل بؤرة الحدث الأساس، ومنه تناسلت أحداث المسرحية.
5 -  مسرح البسيكودراما أو الدراما النفسية :  

مسرحية مغربية
بقع ضوء كاشفة

يمكن قراءة مسرحية "بلا ما تسوَّلْ" من زاوية الدراما النفسية التي تعيد استثمار ما بداخل النفس البشرية، وتحويله إلى حالة مرئية سمعية من خلال الحوار والأحداث والشخصيات إذا تعلق الأمر بشخصيتين أو أكثر، كما يمكن الاستعانة بالحوار الداخلي على المستوى الفردي، وغالبا ما يقترن الحدث الرئيس في الدراما النفسية بالمرض النفسي الذي تعانيه الشخصيات، ويتحول الحوار إلى حالة "طقسية" تبيح نوعا من التداعي الحر الذي يخفف من قيود الآلام النفسية الغائرة في النفس البشرية، ويتحول الحوار في هذه الحالة إلى علاج، والعرض إلى لحظة وَجْد؛ٍ تعيش فيها الشخصية/الشخوض حالة "تطهير" بالمفهوم الأرسطي، فقد تبين من تطور الأحداث في هذه المسرحية أن الشخصيات سعت إلى التحرر من عزلتها النفسية، وهو ما حصل لسمير حين دخل في حوار مع سميرة الخادمة وعبر عن حبه لها، وحين ذكَّرها بأنه يعرفها، ولا يزال يستحضر ذكرياتها، وحصل أيضا للطاهرة التي فجرت ما بداخلها حين رَجَتْ زوجها عناقاً وتقبيلاً، وحين أسمعت - من عليه أن يسمع - ولهها الدفين بالجار، ووجدها الفدفادي من جهته فرصة للتخلص من الركام الذي أثقل عليه حين صَدَّها، وأبان عن غيرته من ابنه، وكشف عن حقده على الجار، أما سميرة فقد عبرت بطريقتها عما يجيش في وجدانها من تعلق بالجار .
6 -  تقويم :
يفهم مما تقدم أن الدراما النفسية تُمسرح الحالات النفسية، وتُشَخِّصُها من خلال الحوار (شفوياً) والأحداث (عمليّاً)، وبذلك فهي تربط القول بالفعل، وبالرغم من غياب الحدث باعتباره "فعل" بالمفهوم المتداول في هذا العرض؛ حيث اكتفت الشخصيات بمجرد بالتعبير عن معاناتها بالحوار الحالم الناعم تارة : (سمير وسميرة)، (الطاهرة وزوجها)، وتارة أخرى بالصراخ والعويل: (الإبن سمير مع أبيه الفدفادي)، ثم (الفدفادي عن الجار)، وبالرغم أيضا من أن الحوار كان أصمّاً بين الشخصيات الأربع لانعدام التواصل بينها، فإن مجرد البوح في الدراما النفسية عن المكبوتات الضاغطة يعتبر حدثا في حد ذاته، يمثل تمردا على وضعية نفسية مأزومة، وتفريغا لما ترسب في بواطن الذات من مقموعات ومقهورات، وخلاصاً من التوجسات والتهيؤات الكامنة في العقل الباطن. 
"إن الممثلين في الدراما النفسية يؤدون عادة وظيفة أقرب إلى "مرايا الأنا" يعكسون فيها ما يعتمل فيها بدواخلهم ويُخرجونه عارضين كل ما يريد أن يختفي، أو يرفض الظهور، ممثلين في ذلك أدواراً شديدة الالتصاق بحيواتهم وهمومهم الداخلية، وفي أثناء حدوث ذلك يصبح المريض/ الممثل أكثر نضجاً وإحساساً بموقفه الذاتي". 
لقد بدت اللغة المسرحية مكثفة ومتجانسة مع طبيعة المشاهد، إذ على مدى كل العرض احتلت اللغة مساحة نسبية بالقياس إلى اللغة المسرحية (السمعية البصرية) كالإضاءة والمؤثرات السمعية وبلاغة الجسد، وإذا أخذنا في الاعتبار سعي المخرج إلى التركيز عليها "اللغة الكلامية" أكثر لكون الحالة النفسية غير السوية للشخصيات تستدعي المنطوق الكلامي، باعتباره الوسيلة الملائمة لتفريغ المكبوت، والتصريح بالمسكوت عنه، فقد اعتمد بشكل كبير على الصمت الموحي بتوتر اللحظة، خصوصا وأن الممثلين أبانوا عن طاقات خلاقة، وقدرات مثيرة للإعجاب في الأداء في انسجام دقيق مع العناصر التقنية المرتبطة بالخشبة والمعتمدة في عرض "بلا ما تسول" و هي كالآتي :
أ‌- الحوار الداخلي: لإلقاء بقع ضوء كاشفة لتبديد عتمة العقل الباطن للشخصية المسرحية، ولتحريك طاقة التخييل لدى المتفرج. 
بـ - التعبير الجسدي، فقد كان تم توظيفه في حالات الذروة ومنها التعبير عن التدفق العاطفي للطاهرة حين توددت إلى زوجها الذي صدها بعنف وامتهان، وحين همت بالجار .
جـ - مؤثرات موسيقية، كثافة الإضاءة، للتعبير عن المعاناة الصامتة للشخصيات .
فما كل شيء يقال، ومن شأن ذلك، أن يشد انتباه الجمهور، وأن يبعث فيهم الإحساس بجمالية العرض، ويوقظ الإعجاب أكثر بأداء مشخصين على درجة من الاقتدار، وهذا ما أثار مشاعر الابتهاج والاستمتاع بالمتخيل المسرحي .