'بنات عبد الغني' يُجسد صراع الأبوة والحرية داخل العائلة

المسلسل يكشف كيف يمكن للنية الطيبة أن تصبح قيدًا خانقًا، حين يُدار الحب بالعقاب والسيطرة بدل الفهم والاحتواء.

الكويت ـ في موسم درامي يزدحم بالأعمال الاجتماعية، يبرز مسلسل "بنات عبد الغني" بوصفه تجربة إنسانية هادئة تراهن على تفكيك العلاقات العائلية من الداخل، وطرح أسئلة شائكة حول معنى الأبوة، وحدود السلطة، وإمكانية الحب حين يتقاطع مع الخوف والتقاليد.

ويضع هذا المسلسل المشاهد أمام بيت عربي مألوف في شكله، لكنه مثقل بتوترات مكتومة وصراعات لا تُقال إلا حين يصبح الصمت عبئًا لا يُحتمل.

يشارك في بطولة العمل نخبة من النجوم، في مقدمتهم الفنان عبدالله التركماني، إلى جانب هنادي الكندري، مرام البلوشي، سعود بوشهري، ليالي دهراب، إيمان الحسيني، وآخرين. وهو من تأليف علي الدوحان، وإخراج ياسمين المصري، التي تقدّم رؤية إخراجية تراهن على التفاصيل اليومية والانفعالات الداخلية أكثر من الحدث الصاخب، ما يمنح العمل نبرة واقعية قريبة من وجدان المتلقي.

تدور أحداث المسلسل حول رب أسرة صارم في ظاهره، لكنه يحمل داخله خوفًا مزمنا من فقدان السيطرة على بناته الثلاث في عالم سريع التحوّل. عبد الغني ليس نموذج الأب المتسلّط التقليدي، ولا هو الشرير المطلق، بل شخصية مركّبة تشكّلت عبر سنوات من المسؤولية والضغوط الاجتماعية وخيبات الحياة. يرى أن الحزم وسيلة للحماية، وأن التشدد درع واقٍ من أخطاء قد تدمّر العائلة، فيما ترى بناته أن هذا الحزم يتحوّل مع الوقت إلى قيد يكبّل أحلامهن.

ويقدّم عبدالله التركماني واحدًا من أكثر أدواره نضجًا، بأداء متوازن يمزج بين القسوة الظاهرة والانكسار الداخلي، مبتعدًا عن النمطية. يقول عن الشخصية:

"عبد الغني أب يحب بناته بصدق، لكنه لا يعرف كيف يعبّر عن هذا الحب. هو ابن جيل يرى أن السيطرة تعني الأمان، وهذا ما يجعله في صدام دائم مع بناته. حاولت أن أقدّمه كشخص يخاف أكثر مما يغضب".

في المقابل، تؤدي هنادي الكندري دور الابنة الكبرى، المرأة التي تحمل عبء العائلة على كتفيها، وتسعى باستمرار إلى التوفيق بين رضا الأب ورغبتها في حياة مستقلة. وتمثل شخصيتها جيلاً نشأ على الطاعة واحترام السلطة، لكنه بدأ يراجع المسلمات القديمة. تقول عن تجربتها:

"ما شدّني في الدور هو الصراع الداخلي. هذه المرأة لا تريد كسر أبيها أو جرحه، لكنها في الوقت نفسه تشعر بأنها تذوب إذا لم تختَر نفسها في لحظة ما".

وتجسّد ليالي دهراب الابنة الوسطى، الأكثر تمرّدًا واندفاعًا، فهي صوت الرفض الصريح للسلطة الأبوية، وترى أن الصمت خيانة للذات. قصتها مع الأب تتصاعد لتصبح أحد المحاور الأساسية في العمل، خصوصًا مع دخولها في علاقة عاطفية يرفضها عبد الغني بشدة.

المسلسل يضع المشاهد أمام بيت عربي مألوف، لكنه مثقل بتوترات مكتومة
المسلسل يضع المشاهد أمام بيت عربي مألوف، لكنه مثقل بتوترات مكتومة

وتعلّق ليالي "شخصيتي لا تعرف أنصاف الحلول. هي مؤمنة بأن المواجهة، مهما كانت قاسية، أرحم من العيش في خوف دائم".

وتأتي الابنة الصغرى لتقدّم نموذجًا للجيل الجديد، الأكثر وعيًا بالتغيير، والأقل خوفًا من المواجهة، لكنه في الوقت ذاته الأكثر هشاشة أمام الضغوط. وتراقب هذه الشخصية الصراع الدائر بين الأب وأخواتها، وتحاول أن تفهم العالم قبل أن تختار موقعها فيه، ما يمنح العمل بعدًا زمنيًا يربط بين ثلاثة أجيال داخل بيت واحد.

ويلعب سعود بوشهري دور شخصية محورية في حياة إحدى البنات، حيث يجسّد نموذج الرجل الذي يحاول تحقيق توازن صعب بين احترام التقاليد ودعم شريكة حياته. دوره يفتح نقاشًا حول صورة الرجل في الأسرة الحديثة، بعيدًا عن القالب السلطوي.

ويقول بوشهري "الدور جذبني لأنه لا يقدّم الرجل كمخلّص ولا كخصم، بل كشريك يحاول أن يفهم، ويخطئ، ويتعلّم".

ويقدّم محمد الكاظمي شخصية ذات بُعد اجتماعي واضح، تسلّط الضوء على تأثير المحيط الخارجي في تماسك الأسرة أو تفككها، سواء عبر النصيحة، أو التدخل السلبي، أو إعادة إنتاج الأفكار التقليدية. وجود هذه الشخصية يذكّر بأن الصراع العائلي لا يحدث في فراغ، بل يتغذّى من المجتمع المحيط.

واعتمد المؤلف علي الدوحان بناءً دراميًا تصاعديًا، يركّز على التفاصيل اليومية: جلسات العائلة، النقاشات الصغيرة، القرارات المؤجلة، والصمت الذي يسبق الانفجار. إذ لا يبحث النص عن صدمة مباشرة، بل يراكم التوتر حتى تصل الشخصيات إلى لحظة المواجهة.

ويشير الدوحان قائلًا "المسلسل مستوحى من قصص واقعية، فكل بيت عربي فيه عبد الغني بشكل أو بآخر. لم أرد إصدار أحكام، بل طرح أسئلة وترك المشاهد يقرّر مع من يتعاطف".

وتقدّم المخرجة ياسمين المصري عملاً بصريًا هادئًا، يعتمد على لقطات قريبة تلتقط أدق تعابير الوجوه، وحركة كاميرا مدروسة تعكس التوتر داخل البيت الواحد، حيث يتحوّل البيت العائلي إلى مسرح للصراع، فكل زاوية تحمل ذكرى، وكل غرفة تخفي سرًا.

وتقول المخرجة "حرصت على أن يشعر المشاهد بأنه فرد من هذه العائلة. لا موسيقى صاخبة ولا افتعال، فقط مشاعر حقيقية تتصادم".

ويرى عدد من النقاد أن "بنات عبد الغني" يندرج ضمن موجة الدراما العائلية التي تعيد الاعتبار للموضوعات الاجتماعية العميقة. ويقول الناقد سالم الزيد إن "قوة العمل تكمن في صدقه، فالشخصيات ليست بيضاء أو سوداء، بل رمادية تشبه الناس في الواقع". في المقابل، ترى الناقدة مها الشمري أن "التحدي الأكبر أمام المسلسل هو الحفاظ على إيقاعه"، مشيرة إلى أن "الاعتماد على الصراع النفسي يتطلب كتابة دقيقة حتى لا يتحول إلى تكرار".