بوتفليقة من بطل في حرب التحرير إلى واجهة حكم يكافح للبقاء

الجزائريون يكسرون أخيرا جدار الخوف بعد عقود من الترهيب والفساد والجمود السياسي والاقتصادي في ظل حكم الحزب الواحد الذي دخلت معه الجزائر في السنوات الأخيرة دوامة من الأزمات.


تمسك السلطة ببوتفليقة يستهدف التغطية على فساد ينخر مؤسسات الدولة


الولاية الخامسة آخر معارك بوتفليقة في مسيرة معارك طويلة


بوتفليقة ناصر حركات التحرر الوطني والقضية الفلسطينية وناهض الميز العنصري


بوتفليقة دخل الحكم من الباب الكبير وقد يغادره من الباب الصغير

الجزائر - عاد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، أحد أبطال حرب التحرير والذي يحكم الجزائر منذ نحو 20 عاما، للكفاح هذه المرة من أجل البقاء السياسي لكنه يواجه موجة احتجاجات شعبية من المستائين من سعيه لولاية رئاسية خامسة، فيما يعتقد كثير من الجزائريين أن الرجل الذي شارك في حرب التحرير لم يعد سوى واجهة سياسية لرجال السلطة الذين يحكمون البلاد.

وتتهم أحزاب معارضة مقربين من الرئيس بمصادرة أختام الجمهورية واتخاذ قرارات ربما لا يعلمها بوتفليقة الذي يعاني من آثار جلطة دماغية أقعدته على كرسي متحرك ودفعته للتواري عن الأنظار والظهور العلني منذ سنوات. 

ولم يشاهد بوتفليقة (82 عاما) في مناسبة علنية إلا فيما ندر منذ أصيب بجلطة عام 2013. وقد ظهر على كرسي متحرك في أبريل/نيسان من العام الماضي ويخضع حاليا للعلاج في مستشفى جنيف الجامعي منذ الأحد الماضي وسط تكتم رسمي على وضعه الصحي.

ورغم ذلك فقد رشح نفسه في انتخابات الرئاسة التي تجري الشهر المقبل بهدف استمرار حكمه لبلد ما زال يكافح ركودا اقتصاديا وسياسيا في ظل نظام لم تدخل عليه أي إصلاحات منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1962.

واستقبل المحتجون عرضا من الرئيس بالدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة في غضون عام إذا ما فاز في الانتخابات يوم 18 أبريل/نيسان بجولة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العاصمة ومدن أخرى.

كان بوتفليقة من المناضلين في حرب 1954-1962 التي وضعت نهاية للحكم الاستعماري الفرنسي ثم أصبح أول وزير للخارجية عقب الاستقلال وأحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز ومنحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا على الساحة العالمية.

ناصر بوتفليقة الدول التي ظهرت في أعقاب العصر الاستعماري وتحدى ما اعتبرها هيمنة من جانب الولايات المتحدة وساعد في جعل بلده مهدا للتوجهات المثالية في ستينات القرن الماضي.

واستقبلت الجزائر شي غيفارا، ومنحت حق اللجوء للناشط والكاتب الأميركي إلدريدج كليفر الذي كان من أوائل قادة حزب الفهود السوداء. واستقبل كليفر في البيت الآمن الذي كان يقيم فيه في العاصمة الجزائرية الناشط الأميركي تيموثي ليري المدافع عن تعاطي المخدرات في العلاج النفسي وأحد قيادات حركة الثقافة المضادة في الولايات المتحدة.

وحصل نلسون مانديلا في شبابه على أول تدريب عسكري في الجزائر التي كانت ثورتها مصدر إلهام في الجنوب الأفريقي.

ودعا بوتفليقة بصفته رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة ياسر عرفات لإلقاء خطاب أمام المنظمة الدولية في 1974 في خطوة تاريخية صوب الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية.

إلا أنه بنهاية السبعينيات انقلبت الأمور على بوتفليقة في الداخل وسافر للعيش خارج البلاد. ثم عاد إلى الحياة العامة خلال صراع مع متشددين إسلاميين سقط فيه ما يقدر نحو 200 ألف قتيل.

وانتخب بوتفليقة رئيسا للمرة الأولى عام 1999 وتفاوض على هدنة لإنهاء القتال وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة التي تكتنفها السرية وترتكز على الجيش.

وبفضل إيرادات النفط والغاز تحسنت الأوضاع في الجزائر وعمها قدر أكبر من السلام وأصبحت أكثر ثراء. لكن لا يزال الفساد والركود السياسي والاقتصادي متفشيا فيها داخل منطقة شهدت الانتفاضات الشعبية بها إلى تغيير نظم الحكم في دول مجاورة.

وبفضل الحماية التي وفرتها احتياطيات النقد الأجنبي الضخمة المتاحة لها وتخوف شعبها من الاضطرابات الشديدة بعد الحرب الأهلية تجنبت الجزائر انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بقادة دول أخرى في المنطقة في العام 2011.

غير أن الاحتجاجات على سوء مستويات المعيشة ونقص فرص العمل والخدمات أصبحت شائعة ويتطلع المستثمرون الأجانب لتطبيق إصلاحات اقتصادية تقضي على البيروقراطية التي تعوق النشاط في كثير من الأحيان.

المحتجون الجزائريون ضد ترشح بوتفليقة
الجزائريون يرفضون عرضا لبوتفليقة مقابل ايقاف التظاهر

المتحدث باسم العالم الثالث

يقول بعض المؤرخين إن بوتفليقة ولد في تلمسان بغرب الجزائر غير أن آخرين يقولون إن وجدة الواقعة على الحدود المغربية هي مسقط رأسه.

وفي سن التاسعة عشرة انضم بوتفليقة للثورة على الحكم الفرنسي تحت حماية هواري بومدين القائد الثوري الذي أصبح رئيسا للجزائر فيما بعد.

وبعد الاستقلال أصبح بوتفليقة وزيرا للشباب والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره وفي العام التالي عُين وزيرا للخارجية.

وأصبح بوتفليقة ببذلاته الأنيقة والنظارات الشمسية التي راجت في الستينيات متحدثا باسم الدول الناشئة التي خرجت للنور بعد انتهاء الحكم الاستعماري.ومنحته السمعة التي اكتسبتها الجزائر من هزيمة فرنسا سلطة إضافية.

وطالب بوتفليقة بأن تحصل الصين الشيوعية على مقعد في الأمم المتحدة وندد بالتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.

وأثارت دعوة عرفات لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة عاصفة. فقبل عامين فقط من ذلك الحدث احتجز مسلحون فلسطينيون أعضاء في الفريق الرياضي الإسرائيلي في دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ رهائن وقتلوهم.

وشاهد بوتفليقة من منصة الرئاسة عرفات وهو يخاطب الجمعية العامة في نيويورك متمنطقا بجراب مسدس.

وعندما خطف إليتش راميريز سانشيز المعروف بكارلوس الثعلب والمؤيد للقضية الفلسطينية وزراء نفط من اجتماع لأوبك في فيينا عام 1975 طالب بنقله جوا مع الرهائن إلى مدينة الجزائر. والتقطت الكاميرات لقطات لبوتفليقة وهو يعانق كارلوس في المطار قبل أن يجلس الاثنان للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن.

العودة من المنفى

عندما توفي بومدين عام 1978 فقد بوتفليقة مرشده، وتم عزله من منصب وزير الخارجية وبدأ التحقيق معه في مخالفات مالية. وقال بوتفليقة إن هذه الاتهامات ملفقة في إطار مؤامرة سياسية.

وغادر الجزائر في أوائل الثمانينيات واستقر في دبي حيث أصبح مستشارا لأحد أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارة. وعاد إلى وطنه في 1987 لكنه عزف عن الأضواء ورفض عروضا لشغل مناصب حكومية.

في الوقت نفسه كانت الأوضاع قد بدأت تتدهور في الجزائر. وألغت الحكومة المدعومة من المؤسسة العسكرية انتخابات برلمانية في 1992 كان الإسلاميون على وشك الفوز فيها. وفيما أعقب ذلك من صراع وقعت مذابح راح ضحيتها سكان قرى بكاملها وتعرض المدنيون في شوارع المدن للذبح.

وبدعم من الجيش انتخب بوتفليقة رئيسا للبلاد في 1999 بعد أن تعهد بوقف القتال. وفي مواجهة معارضة ضارية من مؤسسة الحكم أصدر عفوا عن المتشددين الذين ألقوا السلاح. وانحسر العنف بصورة كبيرة.

وأعيد انتخابه في 2004 ثم في 2009 رغم أن خصومه قالوا إن الانتخابات شهدت تزويرا. ومن خلال سلسلة من المعارك الضارية على النفوذ مع قوى الأمن خلف الكواليس أصبح بوتفليقة مع بداية فترة ولايته الثالثة أقوى رئيس تشهده الجزائر على مدار 30 عاما.

وفي العام الماضي عزز سلطته بعزل أكثر من عشرة من كبار قيادات الجيش.

ولا يعرف شيء يذكر عن حياته الخاصة. فلا تذكر السجلات الرسمية له زوجة رغم أن البعض يقولون إنه تزوج عام 1990. وعاش بوتفليقة مع والدته منصورية في شقة بمدينة الجزائر حيث اعتادت أن تعد له الطعام.

وحل به كبر السن والمرض. وأجرى أطباء فرنسيون جراحة له في 2005 لعلاج ما وصفه مسؤولون بقرحة في المعدة. وجاء في برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة أنه مصاب بالسرطان. ونال منه الضعف بعد أن توفيت والدته في 2009.

وقال بوتفليقة في خطاب ألقاه في سطيف بشرق الجزائر في مايو أيار عام 2012 إن الوقت قد حان لأن يسلم جيله الراية لقيادات جديدة.

وبعد شهور وفي أوائل 2013 أصيب بجلطة دخل على إثرها مستشفى في باريس لمدة ثلاثة أشهر. ولم يشاهد علانية إلا قليلا منذ ذلك الحين بعد عودته للجزائر للنقاهة. وقال التلفزيون السويسري إنه موجود حاليا في مستشفى بجنيف.