بوتين وشي يحذران من قانون الغاب في انتقاد لسياسات واشنطن

الرئيس الصيني يؤكد أن أي عودة إلى العمليات العسكرية في الشرق الأوسط من شأنها أن تزيد الوضع الدولي تعقيدا، معتبرا أن التصعيد في تلك المنطقة لا يصب في مصلحة الاستقرار العالمي.
رئيسا الصين وروسيا يشيدان بالعلاقات دون إحراز تقدم بمجال الطاقة

بكين - قالت روسيا والصين في ‌بيان مشترك اليوم الأربعاء عقب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى بكين ولقاء نظيره الصيني شي جيبينغ إن محاولات بعض الدول السيطرة على الشؤون العالمية بروح العصر الاستعماري باءت بالفشل، لكن العالم يواجه خطر العودة إلى "قانون الغاب".
وذكر البلدان في بيان أصدره الكرملين باللغة الروسية "الوضع العالمي يزداد تعقيدا... تواجه أجندة السلام والتنمية في العالم مخاطر وتحديات جديدة، ويواجه المجتمع الدولي ‌خطر التشرذم والعودة إلى "قانون الغاب" في إشارة الى الحرب على إيران.
وأضافا "فشلت ‌محاولات عدد من الدول لإدارة الشؤون العالمية من جانب ‌واحد، وفرض مصالحها على العالم بأسره، والحد من التنمية السيادية للبلدان الأخرى، بروح العصر الاستعماري".
وتأتي زيارة الرئيس الروسي الى بكين بعد أيام فقط من زيارة أداها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الصين للقاء نظيره الصيني لبحث العديد من الملفات أهمها الحرب على ايران والعلاقات التجارية وملف الطاقة.
وأكد الرئيس الصيني شي خلال محادثاته مع بوتين وفق ما أفادت وكالة أنباء الصين الجديدة بأن مستوى الثقة السياسية والتنسيق الاستراتيجي بين البلدين يشهد تطورًا متواصلاً، رغم ما وصفه بالتحديات والاختبارات الدولية المتزايدة، مشددا على أن هذا التعاون بات أكثر رسوخًا وثباتًا في مواجهة المتغيرات.
من جهته، رأى بوتين أن العلاقات بين موسكو وبكين بلغت مرحلة غير مسبوقة من التقدم، موضحا أن التعاون الاقتصادي بين الطرفين يشهد زخما إيجابيا قويا، رغم ما اعتبره تأثيرات خارجية معاكسة تحاول إبطاء هذا المسار.
وجاء هذا اللقاء في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها عدة أزمات رئيسية، من بينها احتمالات التصعيد في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب الضغوط التي تطال حركة التجارة العالمية وسلاسل إمداد الطاقة والنفط.
وفي السياق ذاته، شدد الرئيس الصيني على أن أي عودة إلى العمليات العسكرية في الشرق الأوسط من شأنها أن تزيد الوضع الدولي تعقيدا، معتبرا أن التصعيد في تلك المنطقة لا يصب في مصلحة الاستقرار العالمي.
وقال ان المفاوضات مع إيران مهمة للغاية ويتعين وقف القتال في الشرق الأوسط مضيفا "وقف الحرب سيساعد في الحد من اضطراب إمدادات الطاقة والنظام التجاري الدولي".
وعلى هامش الاستقبال الرسمي في بكين، استقبل شي جين بينغ نظيره الروسي عند مدخل قصر الشعب بترحيب حار، تخللته مصافحة ودية وابتسامات متبادلة، في مشهد عكس دفء العلاقات الثنائية بين الجانبين.
كما شارك الرئيسان في مراسم استقبال رسمية شملت عزف النشيدين الوطنيين واستعراض تشكيلات الحرس الشرفي، في حين تفاعل عدد من الأطفال الحاضرين عبر الهتاف والترحيب ورفع أعلام البلدين في مشهد احتفالي لافت.
وشهدت الزيارة كذلك مراسم عسكرية بروتوكولية تخللتها طلقات المدفعية التقليدية، في إشارة إلى الطابع الرسمي الرفيع للزيارة الروسية إلى العاصمة الصينية.
وبعد انتهاء الطقوس الرسمية، انتقل الجانبان إلى محادثات سياسية شاملة، طُرحت خلالها ملفات متعددة، من بينها العلاقات الدولية الراهنة، إضافة إلى زيارة ترامب إلى بكين، والتي شكلت إحدى نقاط النقاش بين الطرفين، خاصة في ظل التنافس القائم بين القوى الكبرى.
ويُنظر إلى العلاقة بين شي وبوتين باعتبارها واحدة من أكثر العلاقات السياسية استقرارا، إذ تجمعهما لقاءات متكررة تجاوزت الأربعين اجتماعًا خلال السنوات الماضية، ما يعكس عمق التنسيق بين البلدين.
كما شملت المباحثات ملف الحرب في أوكرانيا، رغم تقديرات تشير إلى أن القيادة الصينية لا تتجه نحو ممارسة ضغوط مباشرة على موسكو في هذا الملف.
وتناول الجانبان أيضا مشاريع استراتيجية كبرى في قطاع الطاقة، وفي مقدمتها خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2”، الذي يفترض أن يربط روسيا بالصين عبر منغوليا، رغم استمرار التأخير في تنفيذه، وسط أهمية كبيرة لهذا المشروع بالنسبة لموسكو لتعويض خسائر أسواقها الأوروبية.

ورغم الحديث الودي الذي ميز المحادثات، لم تظهر أي مؤشرات على تحقيق تقدم فيما يتعلق بصفقة غاز قيد التفاوض منذ أكثر من عقد.

ولم تدل الصين بالكثير من التصريحات العلنية عن المشروع. وقال الرئيس الصيني إن التعاون في مجال الطاقة يجب أن يكون "حجر الأساس" في العلاقات الصينية الروسية، إلا أنه لم يأت على ذكر خط الأنابيب.

ولا تزال قضايا رئيسية مثل تسعير الغاز عالقة دون حل، ويتوقع محللون أن تستغرق المفاوضات سنوات. وقال ‌الكرملين إن الجانبين توصلا إلى "تفاهم عام بشأن معايير" المشروع، لكن دون اتفاق على أي تفاصيل أو جدول زمني واضح.

ويرى مراقبون أن بوتين يسعى للحصول على ضمانات صينية بعدم تأثر العلاقات الثنائية مع روسيا في حال حدوث تقارب مؤقت بين بكين وواشنطن خلال زيارة ترامب، وهو ما تعتبره موسكو ملفا حساسا في المرحلة الحالية.
وأكد الجانبان أن القمة الحالية تأتي في إطار الذكرى الثلاثين لشراكة التنسيق الاستراتيجي بين البلدين، والتي تطورت بشكل متدرج لتصبح أحد أهم محاور التوازنات الدولية.
وفي السياق ذاته، اعتبرت وسائل إعلام صينية رسمية أن العلاقات بين البلدين تمثل نموذجا متقدما في العلاقات بين القوى الكبرى من حيث الاستقرار والتكامل الاستراتيجي.
كما شدد بوتين في رسالة مصورة على أن التبادل التجاري بين روسيا والصين يشهد نموا مستمرا، في إشارة إلى توسع الروابط الاقتصادية بين الجانبين.
وتتسم العلاقة بين الصين والولايات المتحدة بمستوى عال من التنافس في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، ما يضيف بعدا إضافيا إلى أهمية الشراكة الروسية الصينية في هذه المرحلة.
وتشير التقديرات إلى أن البلدين يتشاركان في رؤية عالم متعدد الأقطاب، يقوم على الحد من الهيمنة الغربية على النظام الدولي، وهو ما قد يترجم في بيانات سياسية مشتركة مرتقبة.
وفي ملف الطاقة، تبرز الصين وروسيا كشريكين أساسيين لإيران وكوريا الشمالية، ما يعكس تشابك مصالحهما في عدة ملفات إقليمية ودولية.
وقد تعزز التعاون بين موسكو وبكين بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث ارتفعت صادرات النفط الروسي إلى الصين بشكل كبير، ما عزز الاعتماد المتبادل بين الطرفين، وإن بقي غير متوازن لصالح بكين من حيث حجم المبادلات التجارية.
وتظهر بيانات التجارة أن الصين أصبحت أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا، سواء في مجال الطاقة أو الاستيراد والتصدير، مع استمرار توسع هذا التعاون خلال السنوات الأخيرة.
كما تظل قضايا الطاقة، وأمن الإمدادات، والتوترات في مضيق هرمز، من العوامل المؤثرة على سياسات بكين، التي تسعى إلى تنويع مصادرها وتجنب الاعتماد المفرط على طرف واحد.
ويرى خبراء أن ملف الطاقة قد يشكل أحد أهم محاور النقاش بين الطرفين، في ظل رغبة صينية متزايدة في تأمين إمدادات مستقرة من النفط الروسي.
ومع ذلك، يؤكد محللون أن بكين ستواصل سياسة التوازن في علاقاتها الطاقية، بما يمنع تحولها إلى تبعية استراتيجية لأي مصدر واحد.
كما يعتقد أن مواقف موسكو وبكين قد تتقاطع أحيانا وتختلف أحيانا أخرى بشأن عدد من القضايا الدولية، بما في ذلك الصراعات في الشرق الأوسط، في ظل تباين الحسابات الاستراتيجية لكل طرف.