بيت السرد التونسي يحتفي بصورة الأم في الإبداع

هيام الفرشيشي ترصد علاقة الطفل بأمه منذ المرحلة الحليبية.


اللغة الإبداعية تعمل على استعادة التجربة كلما حنت إلى البدايات والينابيع والأصول والطرق البكر


الجلسة تميزت بالنقاش مع شباب نادي المسرح الذي بدا متفاعلا مع الموضوع الذي يمس الروح ويغذي الرغبة في الإبداع

تونس ـ التأم بيت السرد بدار الثقافة ببن عروس في موعده الشهري لتناول موضوع "صورة الأم في الإبداع" من خلال المجموعة القصصية "رائحة الأم" لمبروك صالح المناعي، ونصوص الشاعرة محجوبة الجلاصي، وقد واكب اللقاء ثلة من المبدعين لمعالجة الموضوع بتقنيات متعددة وعدم الاكتفاء بالنقد الأدبي إذ عالج نادي المسرح صورة الأم في رواية "الشحاذ" لنجيب محفوظ. 
وانطلقت هيام الفرشيشي في رصد علاقة الطفل بأمه منذ المرحلة الحليبية التي تلعب فيها رائحة الأم ورائحة حليبها في عدم قطع خيط الرحم بين الرضيع الذي يخرج من ظلمة ما إلى عالم النور. فعن طريقها يميز أمه عن غيرها ويصغي إلى دقات قلبها حين تحتضنه وتداعبه، فهي علاقة اتصال مستمرة وعلاقة نمو دائم عن طريقها يشعر بالدفء والأمان. ويبقى في حنين دائم لتلك الرائحة وإن انفصل عنها عن طريق الفطام أو السفر أو أسباب أخرى. 
وتعمل اللغة الإبداعية على استعادة تلك التجربة كلما حنت إلى البدايات والينابيع والأصول والطرق البكر التي لا تسترجع عن طريق ما ترسخ في الذاكرة الواعية بل من خلال اللاوعي والاسترجاع للخبرات الحسية الأولى التي لم تكن واضحة تماما بل يمر إلى مرحلة التذكر وإعادة تجسيد الوجه الغائب. فالمبدع يقاوم حالة فقدان الذاكرة ومدى أهمية التذكر في الإبداع لذلك يقوم بعملية استرداد لما يعيده إلى صورة الأم فينقطع الزمن الحاضر ويغوص في زمن الماضي. وينقطع زمن الخطاب الباطني نحو زمن قص مختلف واستحضار صورة الأم بالتدريج
والاسترجاع عن طريق المشابهة ليدخل حالة تهيؤات واعتقاد بعودة الأم ، اللغة هي التي تحول التجارب إلى رموز بابتكار المبدع ومن ورائه السارد أو الشاعر لصورة الأم.
فالسارد يمضي لقطع الزمن مع الحاضر ونسج تفاصيل الماضي ليخلص عبر سلسلة من الأحداث تستحضر شخصيات مراوية مشابهة إلى الوصول إلى حالة اللاوعي والذهول ليمر من الذات إلى العام إلى التجريد. والشاعرة محجوبة الجلاصي تجد في تجارب الأمومة تجربة الالتحام الروحي مع التجارب اللاواعية الأولى وهي تستحوذ على خصوبة الأنوثة وقدرتها على الخلق والتجسيد. 
وبيّن الناقد صالح الطرابلسي أن "رائحة الأم" لمبروك المناعي عمل روائي تجسد في قصص، إذ لم يغب فيه الخط الناظم وتنافذ رموز القص على بعضها البعض، وكلها تجسد أبعاد التجربة النفسية العميقة، وإن لبست ثوبا واقعيا وبسيطا ولكنها تحمل شعرية التخيل وتجعلنا نتناول العمل في شموليته وإن اختلفت الأحداث والرموز. 

في حين بينت سهام حارزالي من خلال تقنيات الكتابة المسرحية أن هذه النصوص بالإمكان تحويلها إلى عمل مسرحي من خلال الاشتغال على لغة الجسد والعمل ضمن إطار المربعات التي تمثل حيزا كبيرا للتخيل وتدفق الفيض الشعوري للشخصيات.
وشاركت الطالبة صابرين المهداوي بورقة نقدية ربطت فيها بين صورة الأم في رائحة الأم لمبروك صالح المناعي، وأعمال أدبية أخرى تونسية وعربية مع تحليل التيمة الشعورية وعلاقتها بالخلق الإبداعي.
وتميزت الجلسة بالنقاش مع شباب نادي المسرح الذي بدا متفاعلا مع هذا الموضوع الذي يمس الروح ويغذي الرغبة في الإبداع والإضافة وشحن المشاعر الفياضة وتجسيد الأدوار لأن المبدع ينهل كثيرا من تجارب الأم التي تساهم في تجسيم أقوى المشاهد الدرامية خاصة في مسرح جماهيري يلتحم بقضايا الناس. وبينوا إمكانية التعبير عن الموضوع حتى عن طريق الرمز والفكرة التي تسكن ذهن الإنسان وترفعه إلى مصاف الوجودية. 
وأشاد المبدع لطفي النفاتي بمستوى النقاش وخروج التقديم والتنشيط عن النمطية المعهودة باستغلال الناقدة والقاصة هيام الفرشيشي لفضاء القاعة في تنشيط حركي وعبر عن استمتاعه بعمق النقد الأدبي والمسرحي في تناول الموضوع كما أشاد بجمالية النصوص التي قرأها الضيفين مبروك المناعي ومحجوبة الجلاصي.
وبذلك أسدل الستار على الجلسة الختامية في الموسم الثالث لبيت السرد في انتظار مواسم أخرى، وهو من إعداد وتقديم هيام الفرشيشي ضمن فضاء دار الثقافة ببن عروس والذي تديره نجوى الملوحي.