بيت مال القدس والمبادرة المغربية: عندما يتحول التضامن إلى فعل يومي
في زمن تتناسل فيه الأزمات وتتصاعد التهديدات التي تستهدف هوية القدس وذاكرتها، يطلّ المغرب مرة أخرى بمبادرة تحمل رسائل سياسية وأخلاقية بليغة. توزيع المحافظ المدرسية على أطفال قرية النبي صموئيل ليس حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل فعل ذو أبعاد استراتيجية يترجم رؤية مغربية متكاملة في إدارة ملف القدس: دعم ميداني مباشر، استثمار في الإنسان، وتثبيت لحق المقدسيين في التعليم والحياة الكريمة.
القدس في الوجدان المغربي
علاقة المغرب بالقدس ليست وليدة اليوم، بل متجذرة في الوعي الجماعي للأمة المغربية منذ قرون. فالمغاربة كانوا وما زالوا جزءاً من النسيج الاجتماعي للمدينة المقدسة، بحارتهم التاريخية وبصمتهم الدينية والثقافية. ومن هذا الإرث العميق يستمد المغرب مشروعية دوره الحالي باعتباره ليس فقط داعماً، بل شريكاً أصيلاً في الدفاع عن هوية المدينة.
الملكية كرأس حربة دبلوماسية
قيادة الملك محمد السادس للجنة القدس شكلت نقطة تحول محورية في مقاربة المغرب للقضية. فقد انتقلت من مجرد خطاب تضامني إلى برنامج عمل ملموس، منظم وممول ومستدام. المبادرات التي تشرف عليها وكالة بيت مال القدس، بما فيها هذه العملية التي تستهدف 2.300 تلميذ بميزانية 125 ألف دولار، تعكس فلسفة واضحة: الدفاع عن القدس يبدأ من تحصين مقومات الصمود الإنساني.
رئيسة جمعية النبي صموئيل، نوال بركات، لم تُخفِ امتنانها لهذا الدعم، مؤكدة أن تأثيره يتجاوز البعد المادي ليصل إلى الجوانب النفسية والمعنوية التي تعيد الثقة إلى العائلات وتؤكد أن هناك من يقف إلى جانبهم.
التعليم كسلاح استراتيجي
في مواجهة محاولات التهويد، يصبح التعليم أداة مقاومة، لا مجرد خدمة اجتماعية. الطفل الذي يتسلح بالعلم اليوم، هو مشروع مواطن مقاوم غداً، قادر على حمل رسالة مدينته والدفاع عن حقه في البقاء على أرضه. لذلك، فإن توزيع المحافظ واللوازم المدرسية ليس مجرد إحسان موسمي، بل استثمار في إنتاج جيل صامد، واعٍ بهويته، وقادر على صناعة مستقبل أفضل.
نموذج مغربي فريد
ما يميز التجربة المغربية أنها لا تقف عند حدود الدعم المالي، بل تقدم نموذجاً متكاملاً يجمع بين الدبلوماسية الرسمية والعمل الإنساني المباشر. إنها دبلوماسية ذكية تعرف أن معركة القدس ليست سياسية فقط، بل هي أيضاً اقتصادية، اجتماعية، وثقافية. المغرب اختار أن يخوض هذه المعركة على كل الجبهات: من قاعات الأمم المتحدة إلى أزقة النبي صموئيل.
نحو تعبئة وطنية شاملة
هذه المبادرة يجب أن تتحول إلى مصدر إلهام للمجتمع المغربي بكل مكوناته: أحزاب سياسية، نقابات، جمعيات مدنية، وقطاع خاص. دعم القدس ليس مهمة الدولة وحدها، بل مسؤولية وطنية جماعية. ويمكن تحويل هذه اللحظة إلى ورشة عمل دائمة لتعبئة الموارد والخبرات، من أجل مشاريع تنموية مستدامة في القدس ومحيطها.
إن ما جرى في النبي صموئيل هو تجسيد حيّ لفلسفة المغرب في التعامل مع قضية القدس: مقاربة شمولية ترى أن حماية المدينة تمر عبر الإنسان أولاً، وأن المعركة الحقيقية ليست في الخطابات الرنانة بل في القدرة على توفير تعليم، علاج، وكرامة يومية للمقدسيين. هذه هي القوة الناعمة للمغرب، التي تجعل من تضامنه مع القدس مشروعاً استراتيجياً متجذراً في التاريخ ومنفتحاً على المستقبل.