'بين الرؤية والتشكيل'.. رحلة نقدية لإنصاف أدب الجنوب وترسيخ الهوية
يُعد كتاب "بين الرؤية والتشكيل: إطلالات ورؤى" للكاتب والناقد محمد رمضان عبدالقادر رحلة نقدية غنية تغوص في أعماق الإبداع الأدبي، مع تركيز خاص واحتفاء لافت بـ"أدب الجنوب"، حيث يقدم قراءات تحليلية تتسم بالعمق والشمول، محاولاً جسر الفجوة بين العمل الأدبي كـ"لوحة منقوشة" وبين وعي المتلقي.
ينطلق عبدالقادر في كتابه الصادر عن دار الأدهم من إيمان عميق بأن النقد ليس مجرد أداة لتقييم النص، بل هو "جسر وعي" يربط بين عالم المبدع ووجدان المتلقي. يتبنى عبدالقادر في هذا الكتاب قضية "إنصاف أدب الجنوب"، وهي رؤية نقدية تهدف إلى كسر احتكار العاصمة/ القاهرة للمشهد الثقافي. حيث يرى أن "الصعيد" ليس مجرد حيز جغرافي، بل هو مخزن للقيم والرموز واللغة البكر التي لم تستهلكها المدنية. لذا، تأتي هذه الإطلالات النقدية كفعل مقاومة أدبية تعيد الاعتبار لأسماء إبداعية من سوهاج وقنا وغيرها، مؤكداً أن العمل الأدبي هو "لوحة منقوشة" تحتاج إلى ناقد يمتلك بصيرة لفك شفراتها وتقديمها للعالم، ليس كأدب إقليمي، بل كإبداع إنساني عالمي المنطلق.
ينتقل الكتاب بمرونة إلى تحليل المجموعات القصصية، حيث يرى عبدالقادر في السرد الجنوبي قدرة فائقة على تحويل "العادي" إلى "أسطوري"، ففي تناوله لمجموعة "شجرة الرمان" للقاص أيمن الداكر، يبرز كيف تصبح الطبيعة شريكاً في الألم والأمل، وليست مجرد خلفية للأحداث. أما في قراءته لـ"التقاط الغياب" للقاص أحمد أبودياب، فيتوسع الناقد في مفهوم "فلسفة الفقد"، موضحاً كيف استطاع القاص تطويع الأدوات الريفية البسيطة (كالفأس والمقطف) لتصبح رموزاً وجودية تعبر عن صراع الإنسان مع الموت والزمن.
وفي "رجل سبقه ظله" للقاص أيمن موسى، يحلل الناقد سيكولوجية العجز الإنساني، وكيف يمكن للكلمة أن تكون عصا يتكأ عليها المبدع ليواجه انكسارات الواقع، مؤكداً أن القصة القصيرة عند أدباء الجنوب هي "تقطير للحظة الوجع" وتحويلها إلى فن باقٍ.
ويخصص عبدالقادر مساحة واسعة للشعر، معتبراً إياه "ديوان الروح الجنوبي". هنا يتوسع الناقد في تحليل كيفية اشتباك الشاعر مع تراثه دون الغرق فيه:
في ديوان "مصلوب على النخل" للشاعر أيمن صابر، يحلل الناقد "جماليات اللغة الصعيدية"، وكيف استطاع الشاعر توظيف "فن الواو" والموال لخدمة القصيدة الحديثة، مما خلق حالة من "الأصالة المتجددة"، مؤكدا أن صابر يمثل حارسًا أمينًا لفنون القول الصعيدي، حيث يقول في تحليله "يعد الشاعر عادل صابر هو أمين فن الواو والموال في صعيد مصر؛ إذ استطاع من خلال مواويله الرائعة أن يبروز لغة الصعيد الفطرية ويجعل منها أداة طيعة في يده، محولاً اللفظ العامي إلى صورة شعرية فصيحة في معناها. لقد نجح الشاعر في توظيف مفردات البيئة الملاصقة لصنوف الوطن، ليعبر من خلالها عن القسوة والشهامة، وعن عراقة الديار ونفسها الطيبة، مما جعل الديوان يرتدي ثوب الصعيد الخالص ويتقمص شخصياته بصدق إبداعي فريد يفرض رؤية الشاعر التي نعرفها ونألفها".
وعند الوقوف أمام "عاشق بفتيل رأسه" للشاعر عمرو عادل، يغوص الناقد في النزعة الصوفية والذاتية، واصفاً القصيدة بأنها "انفجار للوجع" الذي يبحث عن الخلاص، موضحاً "اعتصمت قصائد الشاعر عادل عمر بذاتية غارقة في الانهزامية والأحزان، حيث صور لنا الشاعر كيف تتحول القصيدة إلى أداة لمواجهة مشقة الحياة التي لا ترحم. إن القوة في شعره تكمن في 'قداسة الوجع'؛ فهو لا يتطرق للألم بمعناه العادي، بل يجعله انفجاراً داخلياً يبحث عن الخلاص عبر لغة صوفية ودروشة عطرية تهرب من ضجيج العالم إلى أحضان الحزن النبيل. لقد استطاع الشاعر أن يقتحم عقل المتلقي من خلال أوجاعه التي كساها بفضائه الشعري الخاص، جاعلاً من (فتيل رأسه) شعلة تضيء عوالم الضنك والبياض الملغوم".
وفي قراءته لـ"ما لم يقله الشنفرى" للشاعر نبيل الهواري، يطرح الناقد رؤية حول "تناص الحداثة مع التراث"، وكيف يمكن للشاعر أن يستعير لسان الأقدمين ليشكو هموم الحاضر، معتبراً أن الشعر في الجنوب هو "حليب العسل" الذي يمزج بين مرارة الواقع وعذوبة الخيال، ويقول أن الشاعر استطاع بتوظيف تلك الألفاظ المشتركة أو استعارة تلك الألفاظ في نصوصه، إلا أنه صنع عالماً جديداً للألفاظ وتوظيفها، وتلك مهارة إبداعية من وراء عتبات الغيب للمؤلف، وهو ما استفاد منه الشاعر في صب نصوصه بجمال وجاذبية، جعلت الحداثة نفسها تفرض نفسها حداثة إبداعية للديوان". كما يشير الناقد إلى أن الشاعر يظهر بعباءة القصيدة التي تبحر في "بحر من بحار الشنفرى"، مرتدياً ثوبه في أغلب القصائد ليعبر من خلالها عن قضايا معاصرة.
عبدالقادر ينطلق في كتابه من إيمان عميق بأن النقد ليس مجرد أداة لتقييم النص، بل هو جسر وعي يربط بين عالم المبدع ووجدان المتلقي
يتوقف الناقد عند الخصوصية الرمزية في تجربة هذا الشاعر محمد عبدالحميد توفيق في ديوانه "لهيب العسل"، وتحديداً علاقته الفريدة بـ"الأخشاب" كرمز شعري، "استطاع الشاعر أن يتخذ من (الأخشاب) معشوقة له في هذا الديوان، فكان ماهراً في توظيف عهدة عشقه لها، حيث استطاع أن يأخذ منها عهدتها لتكون صبابة وحبيبة وعشيقة، تارة تكون طاهرة وأحياناً تكون جامحة، وهذا الأمر لا يستطيع تصويره إلا مبدع متمكن من أدواته الفنية باقتدار". ويضيف الناقد أن لغة الشاعر "تتخذ حروفها الوجع الغائب، مما يثبت بالقطع أن اللغة وحدها هي التي تستطيع أن تصنع عتبات نصوصه".
يحلل الناقد العاطفة الجياشة والارتباط بالمكان في شعر أحمد موسى محمود، وديوانه "مشاعر متناثرة"، موضحا أن الشاعر يرسم صورة حضوره في قصيدته لحبيبه، متمثلاً بصوته وعاطفته الرقيقة، ليس هذا فحسب بل هو يمزج آلامه في قالبه الشعري، فلقاؤه مع الحبيب لا يغيب عنه، مما يخلق صورة تبدو جيدة وشائعة في مسامع المتلقي". كما يبرز الناقد روح الانتماء للأرض في قصائد الشاعر، خاصة في وصفه لبلدته "بردس"، حيث تتحول القصيدة لديه إلى "رسول الشعر" الذي يغزل مديحاً للأهل والأحباب بفيض من الجود والوفاء.
لا يتوقف عبدالقادر في رؤاه عند حدود القص والشعر، بل يمتد ليشمل الفكر وفلسفة الفنون الأخرى:
ـ السينما: من خلال قراءة كتاب "أجنحة الملكوت" للكاتب مصطفى جوهر، يحلل الناقد "فلسفة الصورة"، وكيف تتحول السينما من وسيلة ترفيه إلى أداة نقدية واجتماعية تغوص في قضايا الهوية والوجود.
ـ اللغة والهوية: يتوسع عبدالقادر في عرض كتاب "كلام صعايدة" للكاتب ممدوح السباعي، معتبراً أن "اللهجة" هي الحصن الأخير للهوية. يحلل المصطلحات الزراعية والاجتماعية الواردة، ويوضح كيف أنها تحمل في طياتها تاريخاً من الصمود والذكاء الفطري، محذراً من ذوبان هذه الخصوصية اللغوية في عصر العولمة. هذا الجزء من الكتاب يعد دراسة "أنثروبولوجية" (اجتماعية) مغلفة بروح نقدية.
حول كتب ورؤى أشرف البولاقي الأدبية والفكرية، يطيل عبدالقادر النظر في تجربة البولاقي ليس فقط كمبدع، بل كقيمة نقدية وثقافية استطاعت أن تكسر حاجز "العزلة الثقافية" عن الصعيد. حيث يبرز كيف أن البولاقي في كتبه مثل "الجنوب وأسئلة الكتابة" قد وضع يده على الجرح الثقافي، محللاً العلاقة الشائكة بين المبدع الصعيدي وبين المؤسسات الثقافية الرسمية في القاهرة. كما يتناول بالتحليل تجربة البولاقي الشعرية، متوقفا عند قدرته على تطويع اللغة لخدمة قضايا وجودية واجتماعية معقدة، حيث رأى أن شعر البولاقي يمتاز بـ:
ـ جرأة الطرح: وصفه بأنه يسير في "حقل ألغام" فكري واجتماعي، محاولاً خلخلة المفاهيم الجامدة.
ـ القاموس الشعري: أشاد عبدالقادر بقدرة البولاقي على نحت مفردات خاصة تجمع بين الجزالة التراثية وبين مرونة الحداثة، مما يجعل قصيدته "لوحة منقوشة" بامتياز.
وحول رؤية البولاقي للتراث الشعبي في كتاب "أطلال الدم"، يتطرق عبدالقادر إلى اهتمام البولاقي بالبحث في التراث والواقع الجنوبي، مشيراً إلى أنه لا يكتفي بالرصد، بل يغوص في "سوسيولوجيا الوجع" (دراسة المجتمع من خلال آلامه). ويؤكد أن كتابات البولاقي حول الثأر والتقاليد في الصعيد، مثل ما ورد في "أطلال الدم" هي محاولة لفك شفرات الشخصية الصعيدية وفهم جذور الصراع فيها.
ويشير إلى أن أشرف البولاقي يمارس "النقد التنويري"؛ فهو لا ينقد النص لبيان عيوبه فحسب، بل يهدف إلى بناء جسر معرفي للمبدعين الشباب. وقد استشهد عبدالقادر بآراء البولاقي في عدة مواضع بالكتاب ليؤكد على فكرة "الخصوصية الثقافية للمكان"، وكيف أن الصعيد يمثل رافداً لا ينضب للإبداع العالمي إذا ما توفرت له أدوات التشكيل الصحيحة.
ويبقى أن نلفت إلى أن عبدالقادر رسم ملامح منهجه بما يمكن أن نطلق عليه بـ"النقد التذوقي التحليلي"، والذي يتجلي في:
أولا الانسيابية: يتميز أسلوبه بالابتعاد عن المصطلحات الأكاديمية الجافة، مما يجعل الكتاب متاحاً للقارئ العادي والمتخصص على حد سواء.
ثانيا القاموس النقدي: يستخدم الناقد لغة شاعرية في نقد النصوص، وكأنه يكتب نصاً موازياً للنص الأصلي.
ثالثا الهدف الاستراتيجي: حيث يتضح من خلال فصول الكتاب أن عبد القادر يهدف إلى "أرشفة" الإبداع الجنوبي وحمايته من النسيان، مع تقديم "روشتة" نقدية للمبدعين الشباب تشجعهم على التمسك بجذورهم مع الانفتاح على تقنيات العصر.