بين النفي والتأكيد.. دمشق تثير القلق بحشودها العسكرية في شرق الفرات
دمشق – نفت وزارة الدفاع السورية، الأحد، صحة التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تحركات عسكرية جديدة لجيشها في ريف حلب الشرقي، مؤكدة أن المقاطع المصورة التي تم تداولها تعود لتدريبات روتينية للجيش العربي السوري، وليست عمليات انتشار أو تحرك ميداني حالي.
ويأتي هذا النفي ليُلقي بظلال من الشك على ما تم تداوله من معلومات حول حشود عسكرية في المنطقة، ويضيف تعقيدا للوضع المتأزم بالفعل.
وأوضحت إدارة الإعلام والاتصال في بيان رسمي، أن ما نشره تلفزيون "العربي" وعدد من الوسائل الإعلامية الأخرى "غير دقيق ولا يعكس الواقع"، مؤكدة أن الجيش لم ينفذ أي تحركات جديدة في المنطقة المذكورة.
ودعت الوزارة وسائل الإعلام إلى توخي الدقة والمسؤولية في نقل الأخبار، مشيرة إلى أن قنوات التواصل الرسمية مع الجهات المختصة معروفة ومفتوحة للجميع لمن يرغب بالتحقق من صحة أي معلومات.
وفي المقابل، أفادت مصادر مطلعة لوكالة الأنباء الألمانية إن "وزارة الدفاع السورية أرسلت (الأحد) تعزيزات عسكرية كبيرة إلى منطقة سد تشرين ودير حافر في ريف حلب الشرقي وتعزيزات عسكرية أخرى وصلت إلى منطقة الزملة في ريف الرقة الجنوبي من مرتبات الفرقة 60 و76 التابعة لوزارة الدفاع".
وأوضحت المصادر -التي طلبت عدم ذكر اسمها- أن "التعزيزات العسكرية التي وصلت إلى منطقة سد تشرين ودير حافر والزملة جاءت بعد التعديات وتعرض قوات وزارة الدفاع لاستهداف متكرر من قبل قوات سوريا الديمقراطية قسد".
وحول قيام عملية عسكرية في مناطق ريف حلب باتجاه مناطق شرق الفرات أوضح المصدر "ما تقوم به قسد من اعتداءات واستهداف متكرر لقوات وزارة الدفاع وانقلاب قسد على اتفاق 10 مارس ومخرجات المؤتمر الذي عقد في مدينة الحسكة الجمعة لا يشي بأن قسد تسعى إلى الحل السياسي وعليه يكون الخيار العسكري هو الوحيد لتحرير مناطق شرق سوريا".
وفي السياق ذاته، قال سكان محليون في مدينة منبج لوكالة الأنباء الألمانية "أن المئات من الآليات وبعضها آليات عسكرية عبرت مدينة منبج وهي في طريقها إلى سد تشرين جنوب شرق مدينة منبج".
وأضاف السكان أن أعداد كبيرة من القوات اتجهت عبر طريق حلب الرقة باتجاه منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي الذي تسيطر عليه قسد.
ومن جانبه، أكد الشيخ فرج الحمود السلامة أحد مشايخ قبيلة البوشعبان أكبر القبائل العربية في سوريا أن "تحرير مناطق شرق سوريا أصبح ضرورة جراء الانتهاكات التي تقوم بها قسد ضد أبناء القبائل والعشائر العربية في مناطق شمال شرق سوريا".
وأضاف السلامة لوكالة الأنباء الألمانية "حذرنا الحكومة السورية مرارا وتكرارا من مماطلة قسد وأنها لن تسلم مناطق شرق سوريا رغم مما يتحمله أهلنا من هذه العصابة القسدية التي أجرمت بحق الشعب السوري".
وأكد الشيخ السلامة "كل أبناء القبائل والعشائر العربية في مناطق شرق سوريا هم رهائن عند قسد وهم بجاهزية كاملة لطرد عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا، بعد أن ظهرت نواياهم الحقيقة بعد مؤتمر الحسكة الذي يسعون من خلاله إلى فرض أمر واقع وهو بداية تقسيم سوريا وهذا ما ترفضه كل القبائل العربية شرق الفرات وعموم سوريا".
ورغم النفي الرسمي، فإن التوتر السياسي بين دمشق وقسد لا يزال في أعلى مستوياته، فقد أعلنت الحكومة السورية السبت إلغاء الاجتماع المقرر في العاصمة الفرنسية باريس بين الوفد الحكومي وقوات سوريا الديمقراطية إثر المؤتمر الذي عقد الجمعة في مدينة الحسكة التي تسيطر عليها قوات قسد بشمال شرق سوريا ما يعني فشل المفاوضات واللجوء للعمل العسكري الذي سوف يتم بالتنسيق بين سوريا وتركيا وأن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق الخميس الماضي ربما يسرع في إطلاق عملية عسكرية ضد قسد وهذه ما تسعى إليه تركيا .
ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) السبت عن مصدر حكومي قوله إن “الحكومة السورية تدين بشدة استضافة شخصيات انفصالية ومتورطة في أعمال عدائية".
ولفت المصدر إلى أن "مؤتمر الحسكة شكل ضربة لجهود التفاوض الجارية، وأن الحكومة لن تشارك في أي اجتماعات مقررة في باريس"، في إشارة إلى المفاوضات المرتقبة بين قسد ودمشق، استكمالا للاتفاق الذي تم التوصل إليه في وقت سابق من العام الجاري.
وفي العاشر من مارس الماضي، وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، اتفاقا ينص على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء الأراضي السورية مع الاعتراف بالمجتمع الكردي كجزء لا يتجزأ من الدولة وضمان حقوقه المواطنية والدستورية.
وينظر إلى الاتفاق على أنه المنطلق للتوصل إلى توافق شامل بين الأكراد ودمشق، وهو ما يبدو مستبعدا حاليا في ظل فجوة الثقة بين الجانبين، والتباينات حول النظام المستقبلي لسوريا وأيضا طريقة اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة.
ويعد المؤتمر الذي عُقد في مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، الأول من نوعه الذي تشارك فيه مكونات كردية إلى جانب ممثلين عن الأقليتين العلوية والدرزية اللتين تعرضتا لأعمال عنف على خلفية طائفية بعد وصول الشرع إلى السلطة.
واتفق المشاركون في المؤتمر على جملة من المبادئ والأهداف تم تضمينها في البيان الختامي، ومن بينها أن "الحل المستدام في سوريا يمر عبر دستور ديمقراطي يكرس ويعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية، بما ينسجم مع حرية المعتقد، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة".
وتُظهر التناقضات بين نفي وزارة الدفاع والتأكيدات الميدانية عمق حالة التوتر والغموض التي تحيط بالوضع. ففي حين تسعى الحكومة السورية إلى تهدئة الأوضاع إعلاميا، تشير التصريحات السياسية والميدانية إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا بقوة على الطاولة، خاصة في ظل فشل الحلول الدبلوماسية والدعم المحتمل من أطراف إقليمية ومحلية.