تأخر نزع سلاح حزب الله يعيد شبح الحرب إلى الواجهة

مخاوف من حرب واسعة قد تشنها إسرائيل، في ظل عدم رضا أميركي وإسرائيلي عن وتيرة تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة.

 بيروت - ارتفعت في الأسابيع الأخيرة وتيرة التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان عبر غارات جوية وتوغلات برية في قرى وبلدات في الجنوب، ما يضع البلد على شفا حرب جديدة، في وقت لا يزال فيه يواجه تحدي الحصول على تمويلات لإعادة الإعمار وترميم البنى المتضررة نتيجة المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.

وفي ظل هذا التصعيد، هدد الحزب بـ"وضع حد" للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، مؤكداً تمسكه بـ"سلاح المقاومة" والدفاع عن أراضي البلاد. من جانبها، تواجه الحكومة اللبنانية تحديات كبيرة في ضبط الوضع الأمني وإدارة ملف السلاح، وسط مخاوف من اتساع دائرة المواجهة.

وفي هذا السياق، اتهم الجيش الإسرائيلي، في بيان الثلاثاء، الحزب بالسعي إلى استعادة قدراته القتالية في جنوب لبنان، الأمر الذي تعتبره تل أبيب "تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل".

وفي الوقت ذاته، تتهم بيروت إسرائيل بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار عبر استمرارها في احتلال 5 نقاط حدودية بجنوب لبنان، إضافة إلى شن غارات جوية وتوغلات برية خلفت قتلى داخل الأراضي اللبنانية.

إرباك لبنان

العميد الركن المتقاعد، الخبير العسكري اللبناني ناجي ملاعب، تحدث للأناضول عن التطورات الأخيرة قائلاً إن إسرائيل تسعى من خلال عملياتها إلى "إرباك الوضع الداخلي اللبناني، وخاصة في الجنوب، عبر استهداف بنى لوجستية ومنازل قريبة من الحدود، وأشخاص من مستويات غير قيادية في حزب الله".

وأوضح أن "الضغط في الجنوب كبير جداً ويجري بموافقة واشنطن"، مضيفاً "هناك مقاربة أميركية تعتبر أن لبنان لن يتلقى أي دعم عربي أو دولي ما لم يُرفع خطر سلاح حزب الله عن إسرائيل".

وقال الخبير العسكري إن الرسالة المقصودة من تهديدات أمين عام حزب الله جاءت "لرفع معنويات البيئة الحاضنة للجماعة أكثر من كونها موجَّهة إلى رئيس الجمهورية أو الحكومة".

وأشار إلى أن "الجيش اللبناني يقوم بمهامه في الجنوب وباقي المناطق، والحكومة التي يشارك فيها حزب الله ملتزمة بتعهدها في البيان الوزاري بحصر السلاح بيد الدولة".

وتحت ضغوط إسرائيلية أميركية، أقرت الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس/آب الماضي حصر السلاح بيد الدولة، بما يشمل حزب الله، لكن الأخير يرفض ذلك.

ورحبت الحكومة اللبنانية بخطة وضعها الجيش لتنفيذ القرار، غير أنها لم تحدد مهلة زمنية لتطبيقه، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإرضاء الحزب وقاعدته.

لا معارك مباشرة

وأوضح ملاعب أن إسرائيل تحقق أهدافها في لبنان دون الدخول في معارك مباشرة مع الحزب. ووصف المرحلة الحالية بأنها "معركة بين الحروب" تعمل فيها تل أبيب على "تعزيز قدراتها وتوجيه ضربات محدودة لتفادي الدخول في حرب برية شاملة".

واستبعد الخبير اندلاع حرب واسعة، موضحاً أن الجهود الدبلوماسية اللبنانية والعربية والفرنسية، إلى جانب الاهتمام الأميركي، تتركز على تثبيت الاستقرار في الجنوب.

وبيّن أن التصعيد الخطابي الأخير لحزب الله "مرتبط بفشل المفاوضات الإيرانية – الأميركية"، مضيفاً "إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، فإن المطلوب من الحزب سيكون موقفاً سياسياً لا استخداماً للسلاح، إذ إن دوره العسكري سيفقد مبرره في حال تم الاتفاق بين واشنطن وطهران".

وفي 13 يونيو/حزيران الماضي، شنت إسرائيل حرباً مفاجئة على إيران استمرت 12 يوماً، وتخللتها ضربات متبادلة أسفرت عن مئات القتلى والجرحى بين الجانبين، قبل أن تعلن واشنطن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 24 من الشهر ذاته، وسط ادعاءات متبادلة بتحقيق النصر.

احتمال اتساع المواجهة

بدوره، توقع العميد المتقاعد، الخبير العسكري اللبناني هشام جابر، مواصلة إسرائيل "توسيع عدوانها ضد لبنان بدرجات متفاوتة"، لكنه استبعد احتمال نشوب حرب شاملة على غرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

وأشار إلى أن استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية بشكل مباشر "غير مرجَّح" لأن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك، متابعاً أن إسرائيل "استنزفت مبدئياً بنك أهدافها، وستستهدف في المرحلة المقبلة أهدافاً اقتصادية وصناعية، وقد تدعي أن بعض المصانع تُستخدم لصناعة أسلحة لحزب الله".

وقال إن "العدوان سيشهد توسعاً في دائرة الاستهداف، خاصة بعد انتهاء زيارة بابا الفاتيكان لوي الرابع عشر إلى لبنان" المرتقبة أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

واعتبر الخبير العسكري التصعيد في خطاب أمين عام حزب الله "متوقعاً وطبيعياً"، واصفاً مواقف الحزب بأنها "رد فعل على الضربات الإسرائيلية المتكررة".

ورغم اتفاق وقف النار الموقَّع بوساطة أميركية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لا تزال إسرائيل تنفذ هجمات على مناطق متفرقة في لبنان، وتواصل احتلالها 5 تلال في الجنوب سيطرت عليها في الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق لبنانية أخرى تحتلها منذ عقود.

وأشار جابر إلى "وجود توتر داخل البيئة الحاضنة للحزب بعد بدء بعض الأصوات في انتقاد صمته، لذلك قال قاسم إنه مستعد للرد"، محذرا من أن "أي رد قد يستجلب ردوداً أعنف من إسرائيل، ما قد يؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة" بين الطرفين.

وأوضح أن قائد الجيش يعمل بتنسيق مع حزب الله، مشدداً على أن أي محاولة لانتزاع السلاح بالقوة ستؤدي إلى انقسام الجيش، ما قد يعرِّض البلاد لتفكك يصعب تحمله.

انتقادات للحكومة

المحللة السياسية اللبنانية ميسا عبدالخالق، قالت للأناضول إن كلمة أمين عام حزب الله حملت "نقطة إيجابية" تمثلت في إعلان الجماعة موافقتها على انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني فقط، لكنه أكد تمسكه بسلاحه.

وأضافت أن خطاب قاسم "أكد رفض الحزب التخلي عن سلاح المقاومة، وأن العدوان الإسرائيلي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن من حق الجماعة الدفاع عن لبنان بكل الوسائل الممكنة".

وأوضحت أن الخطاب احتوى على انتقادات واضحة للحكومة اللبنانية، حيث دعاها إلى وضع خطة واضحة للسيادة الوطنية، واتهمها بـ"الاستماع إلى الإملاءات الأميركية والتركيز المفرط على ملف حصر السلاح".

وتابعت أنه "وجَّه سهامه إلى معارضي الحزب باتهامهم بالعمل لخدمة مصالح إسرائيل والولايات المتحدة"، مضيفة أن المشهد الميداني هو "العامل الحاسم" في التطورات، مشيرة إلى أن حزب الله يؤكد وقوفه خلف الدولة اللبنانية.

وأوضحت أن "أي تطورات إقليمية، خصوصاً المتعلقة بالعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، قد تدفع الحزب إلى تغيير قواعد الاشتباك إذا طلبت طهران ذلك".

وأكدت أن الجيش اللبناني يقوم بواجبه رغم الظروف الصعبة، حيث انتشر في نحو 120 موقعاً جنوبي البلاد، مشيرة إلى أن الانتشار الكامل يتعثر بسبب استمرار الاعتداءات واحتلال إسرائيل خمس نقاط حدودية.

ولفتت إلى وجود مخاوف من تصعيد أو حرب واسعة قد تشنها إسرائيل، في ظل عدم رضا أميركي وإسرائيلي عن وتيرة تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة.