تحديات تشكيل الحكومة اللبنانية

المشاكل اللبنانية داخلية والحلول تنتظر تدخل الخارج.


لطالما ارتبط الحراك الحكومي بأي مستجد خارجي بما في ذلك الانتخابات الاميركية


تشكيل الحكومة مرتبط بملفات حساسة كمفاوضات ترسيم الحدود البحرية واللاجئين الفلسطينيين

من مفارقات لبنان العجيبة الغربية ارتباط معظم الاستحقاقات الداخلية باستحقاقات خارجية، بعضها ربما يكون مبررا، ومن بين تلك المسائل تشكيل الحكومة اللبنانية التي مضى على استقالة رئيسها ثلاثة اشهر وارتبط موضوع التكليف والتأليف بانتخابات الرئاسة الاميركية، وعلى الرغم من انجاز الملف الاميركي، لا مؤشرات قريبة على تشكيل الحكومة، اذ سيمر وقت طويل اقله على ما يبدو لتسلم الرئيس جو بايدن مهامه في العشرين من يناير/كانون الثاني القادم علاوة على فترة إضافية ذات صلة بتركيبة السلطة الديموقراطية الجديدة. فهل ذلك كافيا ام هناك تحديات إضافية أخرى ينبغي تذليلها قبل ذلك؟ وهل يتحمل لبنان هذا الترف الزمني؟

في المبدأ لطالما ارتبط الحراك الحكومي بأي مستجد خارجي، لكن لبنان حاليا يقف على مفترق طرق خطرة، ذلك بفعل إدخاله بمسارات غير معروفة النتائج، علاوة على تخبطه بأزمات ذات طابع كياني. فالشرائح اللبنانية الوازنة لا زالت متباينة الرأي حول الكثير من القضايا، وبالتالي ازدياد الانقسام العامودي الذي انعكس سلبا على مسار التشكيل، من بينها الاختصاص والمداورة الذي يتم التلطي وراءه فيما الاسباب الحقيقية غير ذلك تماما. وبالمناسبة لا يمكن استثناء أي فريق من ذلك.

ثمة سبب اضافي طرأ مؤخرا اسهم وسيسهم بعرقلة التأليف وهو ذات صلة بالعقوبات الأميركية التي فرضت على بعض الوزراء ذات الصفة السياسية بعينها، والتي تستغل لممارسة اقصى أنواع الابتزاز السياسي التي تبدو في كثير من الأحيان لا قدرة للبنانيين على تجاوزها في معرض مناكفاتهم اليومية المعتادة، في وقت يفترض تجاوز الكثير من القضايا للوصول الى اتفاقات تعيد الحد الادنى من آمال اللبنانيين بسلطة قادرة على تمثيلهم وحماية مصالحهم التي افتقدوا معظمها في الفترة الماضية.

ومن التحديات التي تواجه تشكيل الحكومة الظروف القاسية التي يمر بها لبنان وشعبه، ثمة انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وضع صحي خطير لجهة تفشي وباء كورونا وسط غياب المعالجات الفعالة، معطوفة على أوضاع اجتماعية سيئة لجهة نسب البطالة، والفقر والتهميش الاجتماعي علاوة على مظاهر سلبية ناجمة عن هذه الظروف كالتفكك الاسري وانتشار الجريمة، وظهور مظاهر مجاعة مقبلة اذا ما استمرت الاوضاع بتراجع متسارع كما هو حاصل اليوم.

كما ان تشكيل الحكومة يواجه تحديات خارجية وازنة من بينها، مخاطر احداث امنية وعسكرية داهمة في المنطقة في الفترة الانتقالية الرئاسية في الولايات المتحدة، علاوة على ملفات حساسة كمفاوضات ترسيم الحدود البحرية والقضايا المتصلة بالغاز والنفط في شرق البحر المتوسط وملفي اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، وعليه تشكل هذه العقبات والتحديات الداخلية والخارجية مصاعب كبيرة في وجه التشكيل السريع، بصرف النظر أيضا عن حجم فعالية الحكومة المفترضة في تأدية برامجها.

وعلى الرغم من الرقابة الحثيثة وبخاصة الفرنسية من خلال مبادرة رئيسها، لم تستطع هذه المتابعة اللصيقة من احراز تقدم واضح في اعادة تكوين البيئة السياسية الحكومية اللبنانية، فلا زالت المواعيد يتم تجاوزها، كما يتم النكوث بالوعود، ما أدى الى ضياع بعض الفرص التي ربما تكون واعدة في بعض اوجهها، ومن بينها العلاقات مع البيئات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

لقد اعتاد اللبنانيون على تعثر تشكيل حكوماتهم حتى باتت شكلا من اشكال التراث السياسي المعتاد، الا ان ما تمر به الازمة الحالية من تعقيدات غير مسبوقة لجهة تشابك القضايا والتحديات والمخاطر، تجعل من إمكانية التشكيل السريع امرا صعبا ومبالغ فيه، ففي الحالات العادية الأقل تعقيدا وصل الامتداد الزمني الى التسعة اشهر، فهل ستخالف الظروف تلك الفرضية ويشهد لبنان ولادة حكومية سريعة؟ ام ان ما يحكم لبنان محددات وضوابط لن يكون بمقدوره تجاوزها؟ ان تدقيق سريع يبين ان وقتا طويلا سيمر قبل وصول لبنان الى وضع حكومي مستقر ومقبول.