تحول مساجد بتونس لمنابر تدعو للتطرف يهدد مدنية الدولة

هيمنة 'دعاة الفكر المتطرف' والأئمة المتشددين على عدد من دور العبادة ومنصات الخطب الدينية تستدعي تحركا عاجلا من قبل السلطات التونسية لاستعاة السيطرة على المساجد وحماية القيم الوطنية للدولة من خطابات التكفير والتحريض على العنف.


خطاب جماعات الإسلام السياسي يهدد مسار استكمال إرساء الديمقراطية في تونس


المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة في تونس يحذر من خطورة خطابات بعض الأئمة

تونس -  أثارت هيمنة بعض الأئمة والدعاة المتشددين على منابر الخطب الدينية في المساجد التونسية أمام تراجع دور وزارة الشؤون الدينية في تسيير دور العبادة وفقدان سيطرتها على البعض منها، مخاوف من أن تتحول تلك المنابر إلى منصات دعاية للتطرف والتحريض على العنف، ما يهدد بنسف قيم الدولة المدنية خاصة وأن عددا منها يخضع لسيطرة "دعاة الفكر المتشدد" على غرار امتداد هذا الفكر إلى مؤسسات أكثر علوية ورمزية بالدولة كمجلس نواب الشعب.

وفي هذا الإطار أحيا بيان المرصد الوطني لحماية مدنية الدولة بشأن أئمة المساجد المتشددين في تونس الجدل بشأن مدى سيطرة الدولة على دور العبادة التي شكلت لفترة ما منصة لخطابات التكفير والتحريض على القتال في بؤر التوتر وهو ما جعل من تحييدها هدفا للسلطات التونسية.

ورغم تشديد السلطات على أنها تسيطر على غالبية المساجد إلا أن حالة التوجس تتفاقم من تداعيات وجود أئمة يتبنون خطابات تحريضية ما من شأنه نسف القيم الوطنية في البلاد التي تشهد انتقالا ديمقراطيا هشا وسط صعود نجم الشعبويين الذين لا يترددون في الإفصاح عن مواقف لا تتماشى ومدنية الدولة.

كما حذر المرصد بعد حادثة صادمة تمثلت في اعتداء أحد النواب المحسوبين على التيار الإسلامي والكتل البرلمانية الإسلامية الصحبي سمارة على النائبة المعارضة ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي بصفعها على الملأ تحت قبة البرلمان، من التردي الفظيع للمستوى الأخلاقي والسياسي والعنف الذي أصبح يسود البرلمان التونسي في ظل مواصلة الانفلات من العقاب خاصة وأنها ليست الحادثة الأولى التي وصفت من قبل نشطاء وسياسيين بالفضيحة والعار الذي يحدث في أعلى مؤسسات الدولة، فقد جرى الاعتداء على موسي في حادثة مماثلة سابقا من قبل النائب عن ائتلاف الكرامة الإسلامي سيف الدين مخلوف.

وحملت منظمات على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل وحقوقيون ونواب، حركة النهضة صاحبة الأغلبية البرلمانية وزعيمها رئيس البرلمان راشد الغنوشي المسؤولية الأخلاقية والقانونية إزاء تصاعد العنف داخل مجلس نواب الشعب من قبل ممثلي الأحزاب الإسلامية دون اتخاذ أي إجراءات قانونية بحقهم، لقرب هؤلاء من حزب النهضة.

وفي خضم ذلك كله تعود حركة النهضة الإسلامية إلى مرمى اتهامات خصومها بأنها تستغل المساجد من أجل القيام بحملة دعاية بفضل الأئمة الذين يدينون لها بالولاء.

وتعاظمت تلك الاتهامات إثر ارتباط حركة النهضة الإسلامية بجمعيات ومنظمات تقوم بتكوين الأئمة، علاوة على الحملات التي قام بها بعض الأئمة ضد خصوم الحركة تحت ذريعة الدفاع عن الدين الإسلامي على غرار ما حدث مع مقترح الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بشأن المساواة في الميراث، حيث تجندت آنذاك المنابر الدينية لمهاجمة المقترح والتحريض على قائد السبسي واللجنة التي شكلها.

شعارات سياسية

لم تنجح وزارة الشؤون الدينية في تونس في تبديد المخاوف من انفلات الخطاب الديني لاسيما في المساجد، ففيما شدد الوزير أحمد عظوم في وقت سابق على أن "كل المساجد تحت السيطرة" لا تتوانى جهات تونسية في إعادة إحياء الجدل بشأن هذا الملف الذي شكّل لمرحلة ما جزءا من الأمن القومي للبلاد بالنظر إلى ما تمثّله المساجد من منصات للترويج للتطرف العنيف.

ويوجد في تونس ما لا يقل عن 6100 مسجد، ويشرف على تسييرها أكثر من 20 ألف مرجع ديني، من بينهم أكثر من 2500 إمام. ونبّه المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة في بيان له مساء الأحد إلى خطورة الشعارات السياسية التي يرفعها بعض أئمّة الجوامع باسم الدين. وأكد وجود رسائل تدعو إلى تجاوز مبادئ الدولة المدنية والركائز الأساسية للنظام الجمهوري والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان صلب بعض الجوامع.

وحمّل المرصد وزير الشؤون الدينية مسؤولية خروج بعض الجوامع عن ضوابط مدنية الدولة واحترام الدستور مشيرا إلى إمام جامع التوبة بالمنستير الذي قال "إنه قدّم يوم الجمعة الماضي خطبة تضليليّة وسياسيّة بامتياز تعرّض فيها بالخصوص إلى صدى بيان أصدره المرصد سابقا حول الاحتفال بلباس عدد من القاصرات للحجاب في مدينة المنستير كما دعا الإعلاميين بأن يتثقّفوا في الدين وبأن يكون بينهم إمام أو رجل دين."

وقالت عضو المرصد إيهاب الطرابلسي إن "الدولة التونسية تركت المساجد للعناية الإلهية تتلقفها أيادي كلّ من هبّ ودبّ، ليست هناك حيادية بالمعنى الحقيقي للكلمة. هذا ما يعني أن بعض المساجد خرجت عن سيطرة الدولة وأصبحت تبث خطابات عدائية تصل إلى درجة تكفير الآخر أحيانا وهذا يمثل خطرا حقيقيا على مدنيّة الدّولة."

وأضافت الطرابلسي في تصريح لـصحيفة 'العرب اللندينة' أن "هذا النوع من المساجد لا يتوانى عن بثّ الكراهية بين أفراد الشعب الواحد وهناك أئمة يذهبون إلى حد منح صكوك الإيمان لمن يرونه صالحا وسحبها ممن يرونه غير صالح، معتمدين في ذلك قيمهم هم وتفسيراتهم وتأويلهم الخاص."

وشددت على أن "مرصد الدفاع عن مدنية الدولة وصلت إليه رسائل تهديد حقيقية جعلتنا نبلغ السلط المختصة لتتخذ الإجراءات اللازمة."

والمرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة تم تأسيسه في 2019 وهو من أبرز المدافعين الشرسين عن مدنية الدولة والمناهضين للفكر المتشدد الذي يهدد المكاسب التي حققتها تونس في العديد من المجالات.

تطهير المساجد من المتطرفين يتطلب عناية مركزة ومعالجة خاصة من قبل أئمة تكونهم الدولة
تطهير المساجد من المتطرفين يتطلب عناية مركزة ومعالجة خاصة من قبل أئمة تكونهم الدولة

قيم وطنية على المحك

يُثير استغلال المساجد لبث خطب يمتزج فيها الديني بالسياسي مخاوف جدية من أن يؤدي ذلك إلى ضرب القيم الوطنية على غرار التعايش السلمي، ولتونس سجلّ في ذلك حيث شهدت في فترة حكم الترويكا (2011-2013) اغتيالات سياسية لشخصيات تم التحريض ضدها في بعض المساجد.

إضافة إلى ذلك فإن تكلفة هذا الاستغلال كانت باهظة، فالآلاف من الشباب التونسيين تم تجنيدهم وإرسالهم للحرب في سوريا والعراق وليبيا في وقت سابق من أجل إقامة دولة الخلافة وهو ما أحرج الدولة التونسية سواء داخليا أو خارجيا. ولا تزال تواجه ضغوطا سواء لاستعادة هؤلاء المتطرفين أو بشأن العمل على معالجة الأسباب الكامنة وراء نجاح المتطرفين في استقطاب الشباب وهي أسباب يُعد عدم السيطرة على المساجد أبرزها.

ويقول المحلل السياسي خليل الرقيق إنه "منذ 2011 كنا نتحدث عن الممارسة الديمقراطية وقيمها، لكن في نفس الوقت كان هناك من يجهّز لاستقطاب الشباب لإرساله إلى بؤر التوتر حيث تنشط الجماعات التكفيرية والمتطرفة."

وحمّل الرقيق في اتصال هاتفي مع 'العرب' الحكومات المتعاقبة المسؤولية، قائلا "الحكومة لم تقدر على تحييد دور العبادة، ورأينا كيف تعامل رئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي مع جمعية اتحاد العلماء المسلمين التي تلقي دروسا دينية، حيث لم يتعامل معها بطريقة ردعية لازمة بحكم التبعية المفروضة عليه وحكومته من حركة النهضة."

بعض المساجد خرجت عن سيطرة الدولة وأصبحت تبث خطابات عدائية تصل إلى درجة تكفير الآخر

ويُشير الرقيق بذلك إلى اعتصام خاضه الحزب الدستوري الحر المعارض بقيادة موسي أمام مقر اتحاد علماء المسلمين حيث اتهمت موسي وحزبها الاتحاد بـ"تفريخ الإرهاب"، لكنّ السلطات التونسية أمرت بفض اعتصامها بالقوة وهو ما حدث فعلا.

وبالرغم من أنها تأسف لما آلت إليه الأوضاع في تونس إلا أن إيهاب الطرابلسي تُشدد على أن "الأمل مازال قائما وسنعمل على ترسيخ القيم الوطنية من جديد، نأسف جدا لما وصلت إليه الأمور في بلادنا، ونعلم جيدا أن مهمتنا لن تكون سهلة فقد خرّبوا ما خرّبوا ولكننا ماضون قدما نحو التقدم ونحو التسامح ونحو احترام الإنسان في إنسانيته بغض الطرف عن أفكاره السياسية أو الدينية، بعيدا عن كلّ ما يفرقنا."

النهضة في قفص الاتهام

بالرغم من أنها تقول بقيامها بمراجعات فكرية وسياسية أفضت إلى الفصل بين الدعوي والسياسي إلا أن خبراء تونسيون يتهمون حركة النهضة الإسلامية بالسيطرة على بعض المساجد مشيرين إلى أن الحركة نجحت في التسلل إلى تلك الهيئات الدينية عبر أئمة يقع تكوينهم بجمعيات ومنظمات مقربة من الحزب.

وقال معز علي رئيس جمعية اتحاد التونسيين المستقلين من أجل الحرية، إن "المشكل ليس في سيطرة الدولة على المساجد من عدمه، بل المشكل الحقيقي يكمن في طريقة إدارة تلك المساجد والإستراتيجية التي ستمكننا من بناء خطاب ديني يخدم المصلحة العامة ويكرّس قيم المواطنة والأخلاق في المجتمع التونسي دون استغلال سياسي."

وأضاف علي في حديث لـ'العرب' أنه "مازالت هناك مساجد خارجة عن السيطرة، المشكل الآخر يتمثل في أن وزارة الشؤون الدينية تُشرف إداريا فقط على المساجد بمعنى أجور الأئمة وغيرها، لكن دون استراتيجية لوضع الخطوط العريضة للخطاب الديني الذي نريده أن يخرج في تونس وهذا مشكل."

وأوضح أن "هناك خطاب ديني موسمي يتغير بتغير الأزمنة، ففي زمن الانتخابات هناك خطاب معين وبعدها يتغير الخطاب، لكن لكي نضع الإصبع على الداء يجب أن نتساءل؛ من هم الأئمة في تونس؟ هناك مثلا مركز الإسلام والديمقراطية لرئيسه (رضوان المصمودي) الذي هو أصلا عضو مجلس شورى حركة النهضة فكيف يتولى تكوين الأئمة دون أيّ رقابة من الدولة؟"

واستنتج معز علي أنه "عندما ننظر إلى طبيعة الخطاب الديني الذي يخرج من المساجد ونتساءل هل يخدم الوسط أو اليسار؟ هو يخدم حركة النهضة التي هي المنتفع الأول من عدم السيطرة على المساجد هي وتوابعها."

ويساير خليل الرقيق معز علي في رأيه حيث يؤكد أن المستفيد من حالة الانفلات التي تعرفها بعض المساجد في تونس حركة النهضة وأذرعها السياسية الأخرى على غرار ائتلاف الكرامة المثير للجدل.

وقال الرقيق إن "المستفيد الأول من هذه الظاهرة هو التيارات التي تعتمد على الدين في السياسة مثل حركة النهضة وائتلاف الكرامة الشعبوي وحتى حزب التحرير، وذلك بهدف الوصول إلى السلطة وتوظيف تلك الأفكار والمناهج". وأردف أن "بعض الأئمة أصبحوا نوابا برلمانيين في الفترة الحالية (مثل رضا الجوادي ومحمد العفاس)" في إشارة إلى نواب إسلاميين.

وبالرغم من أن الحركات الإسلامية في تونس وفي مقدمتها حركة النهضة قد دأبت على إرجاع أسباب تنامي التطرف والإرهاب إلى حقبة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، مؤسس الجمهورية التونسية، وكذلك الرئيس الراحل زين العابدين بن علي إلا أن الظاهرة ازدهرت بعد 2011 وهو ما تعكسه أكثر من واقعة، ما يسلط الضوء جديا على الإخلالات التي عرفتها البلاد بعد انتفاضة الـ14 من يناير/كانون الثاني 2011 والتي سمحت على ما يبدو للمتطرفين باستغلال الموقف لاستمالة شباب تتقاذفه الصعوبات الاقتصادية التي ترزح تحت وطأتها البلاد، وكذلك ضعف ثقافته الدينية وغيرها من العوامل.