ترامب يلوّح بالتصعيد في نيجيريا موسّعاً منطق التدخل العسكري

تصوير ترامب للصراع على أنه ديني بحت قد يزيد من حدة الاستقطاب الداخلي ويغذي روايات الجماعات المتطرفة التي تسعى إلى تأجيج الفتن بين مكونات المجتمع.

واشنطن - أعاد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال توجيه ضربات عسكرية إضافية في نيجيريا، في حال استمرار ما وصفه بعمليات قتل تستهدف المسيحيين، فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بتشابك الدين والأمن والسياسة في أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، فالتصريحات التي نُشرت في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياقين الداخلي النيجيري والدولي، ولا عن طبيعة مقاربة ترامب للملفات ذات الطابع الديني والأمني.

وجاء حديث ترامب على خلفية ضربة عسكرية أميركية نُفذت يوم عيد الميلاد ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في شمال غرب نيجيريا، وهي ضربة قالت واشنطن إنها تمت بناءً على طلب من الحكومة النيجيرية، غير أن الرئيس الأميركي أضفى على العملية بُعداً مختلفاً، حين ربطها بشكل مباشر بحماية المسيحيين، مؤكداً أن الضربات قد تتكرر إذا استمر قتلهم. وأثار هذا الربط تساؤلات حول دوافع الخطاب الأميركي، ومدى انسجامه مع الوقائع المعقدة على الأرض في نيجيريا.

فالسلطات النيجيرية سارعت، عقب الضربة، إلى التأكيد أن العملية كانت مشتركة، وأنها استهدفت "إرهابيين" دون أي صلة بدين معين، في محاولة واضحة لنزع الصبغة الطائفية عن التدخل العسكري. وتخشى أبوجا، كما يرى مراقبون، من أن تصوير الصراع على أنه ديني بحت قد يزيد من حدة الاستقطاب الداخلي، ويغذي روايات الجماعات المتطرفة التي تسعى إلى تأجيج الفتن بين مكونات المجتمع.

وتعكس تصريحات ترامب قراءة أميركية أحادية نسبياً لطبيعة العنف في نيجيريا، إذ يرى أن المسيحيين هم الهدف الرئيسي للهجمات، رغم إقرار مستشاره الخاص لأفريقيا بأن مسلحي "بوكو حرام" وتنظيم داعش يقتلون مسلمين أيضاً، وربما بأعداد أكبر، بينما يسلط هذا التناقض الضوء على إشكالية توظيف المعاناة الإنسانية في إطار سياسي أو أيديولوجي، خصوصاً في بلد تتشابك فيه أسباب العنف بين عوامل دينية، وعرقية، واقتصادية، وأمنية.

ونيجيريا، التي يتجاوز عدد سكانها 230 مليون نسمة، تعيش منذ سنوات على وقع تحديات أمنية معقدة، أبرزها تمرد "بوكو حرام" في الشمال الشرقي، ونشاط تنظيم داعش في مناطق أخرى، إضافة إلى صراعات محلية بين رعاة ومزارعين، وجرائم منظمة، وضعف سيطرة الدولة في بعض الأقاليم. وفي هذا المشهد المتشابك، يصعب اختزال العنف في استهداف ممنهج لطائفة دينية بعينها، رغم أن جماعات مسيحية ومسلمة على حد سواء دفعت ثمناً باهظاً.

من جهة أخرى، يبدو أن خطاب ترامب يعكس توجهاً أوسع في سياسته الخارجية، يقوم على إبراز الدفاع عن المسيحيين في مناطق مختلفة من العالم، وتقديم ذلك كأحد مبررات التدخل أو الضغط السياسي. هذا النهج قد يلقى صدى لدى قواعد داخلية أميركية، لكنه في المقابل يثير مخاوف من تداعياته على الاستقرار في دول تعاني أصلاً من هشاشة اجتماعية وأمنية.

فالتهديد بتكرار الضربات، وإن كان موجهاً ظاهرياً إلى الجماعات المتطرفة، قد يُفهم داخلياً في نيجيريا على أنه تدخل خارجي يكرّس سردية "الحرب الدينية"، وهو ما قد تستغله التنظيمات المسلحة لتجنيد مزيد من المقاتلين. كما أن ذلك يضع الحكومة النيجيرية في موقف دقيق، بين حاجتها إلى الدعم الدولي في مكافحة الإرهاب، وحرصها على الحفاظ على سيادتها وتوازنها الداخلي.

وتكشف تصريحات ترامب عن مقاربة تركز على البعد الديني للصراع في نيجيريا، في حين تؤكد الوقائع أن الأزمة أعمق وأكثر تعقيدا. وبينما يبقى التعاون الدولي ضرورياً لمواجهة الجماعات المتطرفة، فإن اختزال العنف في ثنائية "مسيحيين مقابل مسلمين" قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب، ويقوّض الجهود الرامية إلى معالجة جذور الأزمة الأمنية في نيجيريا.