تركيا تُعيد تشكيل ديناميكيات القوة في شمال سوريا للضغط على الأسد

عدد من المحللين يرون أن هجوم الفصائل السورية بقيادة هيئة تحرير الشام المتطرفة على حلب ما كان ليتم من دون دعم عسكري وضوء أخضر من تركيا.
تعثر المصالحة مع دمشق دفع تركيا لتحريك خيوط اللعبة العسكرية في شمال سوريا  
تركيا تجازف بعلاقاتها مع إيران وروسيا بدعمها لهيئة تحرير الشام
هل تستطيع هيئة تحرير الشام الحفاظ على مكاسبها الميدانية من دون الدعم التركي

أنقرة – كتب فاتح يورتسيفير هو ضابط بحري سابق في القوات المسلحة التركية يستخدم اسما مستعارا لأسباب أمنية تحليلا نشر على موقع 'الدقيقة التركية' شرح فيه تطورات الوضع في شمال سوريا مع شن الفصائل السورية المعارضة بقيادة جبهة تحرير الشام المتطرفة هجوما كاسحا على حلب نجحت خلاله في السيطرة على معظم المحافظة ووسعت فيه هجومها لمحافظتين مجاورتين.

وشدد على أن ما حدث ما كان ليحدث دون ضوء أخضر من تركيا التي تشرف على تلك الميليشيات وتدعمها بالمال والسلاح، بينما تنفي أنقرة أي دور لها في تلك الأحداث من قريب أو بعيد، محملة الرئيس السوري بشار الأسد المسؤولية عن التطورات الدراماتيكية في الشمال السوري.

وقال يورتسيفير "لقد لفت تورط تركيا في الهجوم الأخير على حلب الذي شنه المتمردون السوريون بقيادة مسلحي هيئة تحرير الشام، انتباه المجتمع الدولي بشكل كبير، مع مزاعم تشير لقيام أنقرة بتقديم الدعم العسكري واللوجستي للتنظيم المتطرف".

ونقل عن المحلل الروسي كريم هاس، قوله إن العملية التي تنفذها جماعة هيئة تحرير الشام لم تكن لتتم لولا موافقة أنقرة، مما يسلط الضوء على المصالح الاستراتيجية لتركيا في إعادة تشكيل توازن القوى في شمال سوريا.

لقد أدى الهجوم الذي قادته الهيئة في حلب إلى تعطيل سنوات من الاستقرار الهش في شمال سوريا، ففي حملة سريعة، استولت الجماعة على معظم حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، وأراضٍ رئيسية، بما في ذلك مواقع استراتيجية على طول الطريق السريع حلب-دمشق 'ام 5'، مما أدى فعليا إلى قطع طرق الإمداد الحيوية لنظام الأسد.

ويشير الصحفي الاستقصائي فهيم تاشتكين إلى أن هذا يمثل انتكاسة حاسمة للجيش السوري، الذي كافح من أجل دفاع فعال بسبب موارده المحدودة وسيطرته المتضائلة في المنطقة.

وهيئة تحرير الشام هي تحالف من الجماعات الجهادية التي تقاتل ضد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد. وقد تم تأسيس الجماعة تحت اسم جبهة النصرة الجهادية (التي تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية) في بداية الحرب الأهلية في سوريا في عام 2012 كفرع محلي لتنظيم القاعدة قبل أن تغير اسمها في 2017 إلى هيئة تحرير الشام.

وينفي تحالف الميليشيات السورية المعارضة، أي صلة له بالجبهة. وفي واقع الأمر لم تعد الوحدة القتالية لجبهة النصرة موجودة، رغم أن بعض القادة الميدانيين ما زالوا جزءا من هيئة تحرير الشام يحملون حتى رموزها القديمة.

هيئة تحرير الشام ما كانت لتعيد السيطرة على حلب لولا الدعم العسكري التركي
هيئة تحرير الشام ما كانت لتعيد السيطرة على حلب لولا الدعم العسكري التركي

ويسلط المحلل عمر مراد وهو دبلوماسي تركي سابق، الضوء على القدرات العسكرية المعززة لهيئة تحرير الشام خاصة في حرب الطائرات بدون طيار (الطائرات المسيّرة)، باعتبارها سمة مميزة للعملية.

ولم يعمل هذا التقدم التكنولوجي على تعزيز الهيئة في ساحة المعركة فحسب، بل أظهر أيضا قدرة المجموعة على التكيف والابتكار في الرد على القصف الروسي والسوري المستمر.

ويقول الخبير الروسي هاس أيضا إن نجاح هيئة تحرير الشام كان ليكون مستحيلا بدون الدعم العسكري واللوجستي من تركيا. إن توفير أنقرة للأسلحة المتقدمة وتنسيقها مع هيئة تحرير الشام يتماشى مع أهداف استراتيجية أوسع، بما في ذلك مواجهة النفوذ الكردي في شمال سوريا ووضع نفسها كصانعة قوة رئيسية في المنطقة.

إن الأجندة التركية المزدوجة واضحة، ففي حين تنفي أنقرة رسميا تورطها المباشر، يؤكد عمر مراد أن أردوغان يستخدم الهجوم لتعزيز موقف تركيا الإقليمي، مشيرا إلى التعاون المحتمل مع إسرائيل وحتى الولايات المتحدة في استغلال حالة حزب الله الضعيفة وبالتالي إعادة تشكيل ديناميكيات القوة في شمال سوريا.

ويقول مراد إن هذا التعاون يشير إلى استراتيجية جيوسياسية أعمق تهدف إلى توسيع نفوذ تركيا مع تهميش الجماعات الكردية مثل وحدات حماية الشعب.

وتشكل وحدات حماية الشعب الكردية العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهو تحالف فصائل عربية كردية تعمل في شمال سوريا وكانت قوة رئيسية في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهي القوات التي استثمرت الدعم الأميركي في الحرب على داعش لبناء قوة عسكرية تدافع عن الحكم الذاتي الكردي في المنطقة.

إن إدانة موسكو للهجوم باعتباره انتهاكا للسيادة السورية تعكس إحباطها، لكن أفعالها تظل محدودة. ويعزو هاس هذا إلى تحويل روسيا معظم تركيزها على الحرب على أوكرانيا، مما يجعل قوات الأسد عُرضة للخطر.

ويشير الصحفي تاشتكين إلى أن التدخل العسكري الروسي الذي كان حاسما في دعم نظام الأسد، قد تضاءل بشكل كبير، مما سمح لهيئة تحرير الشام باستغلال الثغرات في دفاعات الجيش السوري.

الهجوم على حلب ليس مجرد عملية عسكرية، بل مناورة تركية جيوسياسية معقدة
الهجوم على حلب ليس مجرد عملية عسكرية، بل مناورة تركية جيوسياسية معقدة

كما لعبت القدرة الإيرانية المتضائلة في المنطقة دورا حاسما، فقد أدت الضربات الإسرائيلية الأخيرة إلى إضعاف حزب الله، أحد وكلاء طهران الرئيسيين، بشكل كبير الذي تكبد خسائر فادحة ويواجه أزمة قيادة بعد مقتل كبار قادته من الصف الأول. وفي حين أرسلت إيران تعزيزات من العراق ولبنان، فإن فعاليتها في وقف تقدم هيئة تحرير الشام لا تزال غير مؤكدة.

ويشرح مراد أيضا كيف أن هذه التطورات خلقت فرصا لتركيا، فمن خلال استغلال تقلص نفوذ إيران والفراغ الناتج عن ذلك، وضعت أنقرة نفسها كلاعب حاسم في المنطقة. ومع ذلك، فإنها تخاطر بهذا التحول بتصعيد التوترات مع طهران وموسكو، مما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار قرارات أستانا الهشة.

ويشير اتفاق أستانا، المعروف أيضا باسم عملية أستانا، إلى سلسلة من الاجتماعات والاتفاقات الدبلوماسية التي تهدف إلى وقف التصعيد في شمال سوريا. وبدأت العملية في يناير/كانون الثاني 2017 في أستانا بكازاخستان بتافق بين الدول الضامنة وهي تركيا وروسيا وإيران وممثلين عن الحكومة السورية وجماعات المعارضة.

وتظل وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على أحياء مثل الشيخ مقصود والأشرفية في حلب وكذلك تل رفعت، عاملا حاسما في الصراع وهي في حالة تأهب قصوى.

ويحذر الخبير في شؤون الشرق الأوسط أنيس إيسن، وهو دبلوماسي تركي سابق وكذلك الصحفي تاشتكين من أن أي هجوم مدعوم من تركيا يستهدف هذه المناطق قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار على نطاق واسع.

وعلاوة على ذلك، يشير مراد إلى أن القضية الكردية تظل محورية في حسابات أنقرة، حيث من يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إضعاف الحكم الذاتي الكردي، في حين يتفاوض في الوقت نفسه مع دمشق وأصحاب المصلحة الآخرين لإعادة تطبيع العلاقات بعد سنوات من القطيعة والصدام.

ويقول عمر مراد إن الهجوم على حلب يؤكد هشاشة المشهد السياسي والعسكري في سوريا، مشيرا إلى أن الحسابات الاستراتيجية لأردوغان تهدف إلى إعادة تشكيل ديناميكيات القوة في المنطقة، باستخدام نفوذ تركيا على هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات كوسيلة ضغط. ومع ذلك، فإن هذا النهج يخاطر أيضا بتنفير حلفاء مثل روسيا وإيران، مما قد يؤدي إلى انهيار إطار أستانا.

وبالنسبة لنظام الأسد، فإن المخاطر وجودية، فقد أدى مزيج من الانهيار الاقتصادي والإرهاق العسكري وتراجع الدعم من روسيا وإيران إلى جعل دمشق غير مجهزة لاستعادة الأراضي المفقودة.

ويحذر فهيم تاشتكين من أن إعادة الفصائل السورية المعارضة السيطرة على حلب المقسمة من شأنها أن تشكل نكسة مدمرة للحكومة السورية وتقوض سنوات من تعزيز الأسد سيطرته على معظم تلك الأراضي.

ويخلص فاتح يورتسيفير إلى أن الهجوم على حلب ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو مناورة جيوسياسية معقدة ذات تداعيات بعيدة المدى. ومع هدوء الأوضاع، تواجه المنطقة احتمالات تصاعد الصراع وتحول التحالفات ومستقبل غير مؤكد.

وشدد على أن التطورات خلال الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت هيئة تحرير الشام قادرة على تعزيز مكاسبها وما إذا كانت حيلة أنقرة ستؤتي ثمارها وما إذا كان حلفاء الأسد (روسيا وإيران) قادرين على الحشد لمنع المزيد من الخسائر.