'تريندز' يفكك حسابات واشنطن في الشرق الأوسط

الحوار الاستراتيجي الـ14 لتريندز يقدم قراءة معمقة لمقاربات واشنطن حيال ملفات الصراع الممتدة من إيران إلى لبنان، واستشرافا لمستقبل النظام الأمني الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات غير مسبوقة.

واشنطن - سلّط الحوار الاستراتيجي الرابع عشر الذي نظمه مكتب الولايات المتحدة التابع لمجموعة 'تريندز غلوبال' الضوء على تعقيدات السياسة الأميركية تجاه أزمات الشرق الأوسط في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، مقدماً قراءة معمقة لمقاربات واشنطن حيال ملفات الصراع الممتدة من إيران إلى لبنان، واستشرافاً لمستقبل النظام الأمني الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات غير مسبوقة.

وجاءت الندوة الافتراضية، التي حملت عنوان "الحرب في الشرق الأوسط: قراءة السياسة الأميركية في ظل التصعيد الإقليمي"، بمشاركة نخبة من الخبراء والمسؤولين السابقين في واشنطن، حيث ناقشت طبيعة التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية وقدرتها على إدارة الأزمات المتشابكة في المنطقة.

وفي افتتاح الحوار، أكد الباحث في مركز تريندز للبحوث والاستشارات حمدان الحمادي أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة تتجاوز الأزمات التقليدية نحو مشهد استراتيجي أكثر تعقيداً، يتسم بإعادة تشكيل مفاهيم الأمن الإقليمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة في أعقاب التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الملاحة الدولية.

وأشار الحمادي إلى أن حالة عدم الاستقرار الحالية لم تعد نتاج نزاعات محلية فحسب، بل تعكس تحولات أعمق في النظام الدولي، الأمر الذي يضع الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة توازن فيها بين حماية مصالحها الاستراتيجية وأمن حلفائها والحفاظ على حرية الملاحة، وبين تنامي نفوذ الفاعلين من غير الدول وتراجع فعالية أدوات الردع التقليدية.

وشارك في الحوار كل من نائب رئيس السياسات في معهد الشرق الأوسط الدكتور كينيث بولاك، وزميل مجلس العلاقات الخارجية ستيفن كوك، والباحثة البارزة في معهد أمريكان إنتربرايز دانييل بليتكا، ونائبة رئيس مركز الشرق الأوسط الجديد التابع للجنة اليهودية الأميركية أني بوفورزهايمر، فيما أدار الجلسة مدير مكتب تريندز في الولايات المتحدة بلال صعب.

وأجمع المتحدثون على أن المواجهة بين واشنطن وطهران دخلت ما وصفوه بـ"الجمود المؤلم"، حيث تتعثر فرص التوصل إلى تفاهمات قريبة بسبب تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية. وأوضح ستيفن كوك أن الإدارة الأميركية تواصل التمسك بشروطها المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بينما تراهن طهران على عامل الزمن والتطورات السياسية الداخلية الأميركية لإضعاف الضغوط المفروضة عليها.

وفي تقييمه لأداء الإدارة الأميركية، أشار كوك إلى أن التقديرات المتفائلة بشأن قرب التوصل إلى تسويات سياسية لا تنسجم مع تعقيدات الواقع الميداني، لافتاً إلى أن إعادة الاستقرار الكامل في بعض الملفات الإقليمية قد تحتاج إلى وقت أطول مما تتوقعه بعض الأوساط السياسية والإعلامية.

من جانبها، فرّقت دانييل بليتكا بين الأداء العسكري الأميركي الذي وصفته بالفعال في مواجهة التحديات الإيرانية، وبين حالة الارتباك السياسي داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ورأت أن التناقضات في التوجيهات السياسية أضعفت صورة الردع الأمريكي وأعطت انطباعاً بالتردد في التعامل مع الأزمات المتصاعدة.

كما تناولت بليتكا طبيعة عمل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأميركية، معتبرة أن النزعة المتزايدة نحو تجنب المخاطر تحد من قدرة واشنطن على تبني خيارات أكثر جرأة في التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة، مضيفة أن الرئيس دونالد ترامب ينظر إلى أزمات المنطقة من زاوية تحقيق نتائج سياسية يمكن تقديمها كإنجازات تاريخية، أكثر من ارتباطها بحسابات انتخابية أو حزبية ضيقة.

وفي محور آخر، تناول كينيث بولاك التحولات التي طرأت على طبيعة الحروب الحديثة، مشيراً إلى أن النزاعات الراهنة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية والأسلحة الثقيلة، بل أصبحت تقوم بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمسيرات والذخائر الذكية منخفضة الكلفة. وأوضح أن هذا التحول مكّن جماعات صغيرة من إحداث تأثيرات عسكرية وأمنية كبيرة، ما فرض تحديات جديدة على الدول الكبرى وحلفائها.

كما لفت إلى أن الكلفة الاقتصادية المتزايدة لأنظمة الدفاع المتطورة باتت تشكل عبئاً متصاعداً، في ظل الحاجة إلى مواجهة تهديدات منخفضة الكلفة نسبياً، الأمر الذي يدفع العديد من الدول إلى تبني سياسات تهدف إلى احتواء التهديدات بدلاً من القضاء النهائي عليها.

وفي ما يتعلق بلبنان، انتقد المشاركون محاولات ربط ملف “حزب الله” بمفاوضات أوسع تتعلق بإيران، معتبرين أن التطورات التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر غيّرت بشكل جذري المقاربة الأمنية الإسرائيلية تجاه الحدود الشمالية. وأشاروا إلى أن إسرائيل باتت تميل إلى استراتيجيات أكثر تشدداً تهدف إلى إزالة مصادر التهديد بصورة دائمة، ما يجعل العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة أمراً بالغ الصعوبة.

وعلى صعيد الأمن الإقليمي، رأت أني بوفورزهايمر أن المنطقة تقف بين مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على تعزيز التكامل الدفاعي والاقتصادي بقيادة أمريكية، والثاني يتجه نحو ترتيبات أكثر استقلالية نتيجة تراجع الثقة في استمرارية الالتزام الأمريكي. وأكدت أن استعادة الثقة تتطلب من واشنطن إرسال رسائل واضحة لحلفائها وتعزيز حضورها الدبلوماسي في المنطقة.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع أمن الطاقة والملاحة والتكنولوجيا وحرب المعلومات، ما يستدعي تطوير مقاربات جديدة لفهم التحديات المستقبلية وإدارة الأزمات المتنامية في المنطقة.