'تشات جي بي تي' يخرق القطاع الطبي بـ'هيلث'

المنصة الجديد تأتي معزولة تقنيا وتدمج السجلات الطبية وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء لتقديم تحليلات صحية مخصصة لمساعدة الأفراد في فهم فحوصاتهم وتحضير مواعيدهم الطبية، مع التزام صارم بعدم استخدام هذه البيانات الحساسة في تدريب النماذج العامة.

سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) – في خطوة تمثل تحولا جذريا في استراتيجية شركة أوبن أيه آي نحو التخصص في قطاعات حيوية، كشفت الشركة المدعومة من مايكروسوفت عن إطلاق ميزة "تشات جي بي تي هيلث"، وهي مساحة رقمية معزولة تهدف إلى تحويل الذكاء الاصطناعي التوليدي من مجرد محاور نصي إلى مساعد صحي شخصي قادر على قراءة وتحليل البيانات الحيوية والسجلات الطبية.

تأتي هذه الخطوة في وقت يتسارع فيه السباق بين شركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على سوق الرعاية الصحية الرقمية، وهو قطاع تقدر قيمته بمليارات الدولارات، ولكن تكتنفه تعقيدات قانونية تتعلق بخصوصية البيانات وحياة البشر.

تكامل البيانات: ما وراء المحادثة التقليدية

لا تعد ميزة "تشات جي بي تي هيلث" مجرد واجهة دردشة جديدة، بل هي محرك تحليل مدعوم بروابط تقنية مع منصات صحية كبرى. ووفقاً لمصادر تقنية في وادي السيليكون، قامت أوبن أيه آي بدمج بروتوكولات تسمح للمستخدمين في مناطق محددة بربط السجلات الطبية الإلكترونية من خلال شراكة استراتيجية مع منصات رائدة لتجميع البيانات الصحية.

يتيح هذا التكامل للمستخدم رفع نتائج التحاليل المخبرية المعقدة، ليقوم النموذج بشرحها بلغة مبسطة، ومقارنتها بالنتائج السابقة المخزنة في سجلاته. علاوة على ذلك، يتصل التطبيق بالأجهزة القابلة للارتداء مثل الساعات الذكية والخواتم الصحية، مما يمنح الذكاء الاصطناعي رؤية شاملة حول جودة نوم المستخدم، معدل ضربات القلب، ومستويات النشاط البدني، ليقدم بناءً عليها توصيات مخصصة حول تحسين نمط الحياة.

هيكلية الخصوصية: المساحة المعزولة

تدرك أوبن أيه آي أن البيانات الصحية هي الأكثر حساسية على الإطلاق. ولتبديد مخاوف المنظمين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، صممت الشركة الميزة الجديدة كبيئة معزولة تقنياً أو ما يعرف بالصندوق الرملي.

وبحسب الوثائق التقنية للشركة، فإن البيانات التي يتم تداولها داخل القسم الصحي لا تخرج إلى النماذج العامة لغرض التدريب. ويعني ذلك أن خوارزميات الشركة لن تتعلم من تفاصيل مرض المستخدم أو سجلاته الطبية لتحسين إجاباتها لمستخدمين آخرين. كما تم اعتماد معايير تشفير متقدمة تتماشى مع متطلبات الأمن السيبراني الطبي، في محاولة للحصول على ثقة المؤسسات الرقابية التي تخشى من تسريب بيانات المرضى أو استغلالها من قبل شركات التأمين.

على صعيد المهنيين، ميزت أوبن أيه آي بين خدمتين؛ الأولى موجهة للمستهلك العادي لمساعدته في إدارة صحته اليومية، والثانية نسخة المؤسسات المخصصة للمستشفيات والأطباء. النسخة الأخيرة يتم اختبارها بالفعل في مستشفيات مرموقة، حيث تُستخدم لتلخيص مئات الصفحات من التاريخ المرضي للحالات المعقدة، مما يوفر على الأطباء ساعات من القراءة اليدوية والبحث في الملفات الورقية أو الإلكترونية المشتتة.

ويقول محللون في قطاع التكنولوجيا الصحية إن القوة الحقيقية تكمن في قدرة الأداة على التحضير للموعد الطبي. فبدلاً من ذهاب المريض للطبيب بأسئلة مشتتة، تقوم الميزة بصياغة قائمة أسئلة طبية دقيقة بناءً على الأعراض التي رصدها التطبيق والبيانات المسجلة، مما يرفع من جودة التفاعل بين الطبيب والمريض ويقلل من احتمالات الخطأ في شرح الحالة.

تحديات الدقة الطبية والرقابة

رغم هذا التفاؤل، تظل قضية الهلوسة الرقمية — وهي ميل نماذج الذكاء الاصطناعي لاختلاق معلومات تبدو صحيحة لكنها خاطئة — هي العائق الأكبر. وفي تقارير منشورة في مجلات علمية متخصصة، حذر خبراء من الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض الخطيرة دون رقابة بشرية.

تؤكد المذكرات القانونية المرفقة بالخدمة أن الميزة ليست طبيباً مرخصاً، بل أداة تكميلية معلوماتية. وتواجه أوبن أيه آي ضغوطاً من الهيئات الرقابية الصحية لتحديد ما إذا كانت هذه الميزة تندرج تحت فئة الأجهزة الطبية البرمجية التي تتطلب رقابة صارمة وتجارب سريرية، أم أنها مجرد تطبيق معلوماتي عام للياقة البدنية.

الآفاق المستقبلية يمثل هذا التطور حجر الزاوية في رؤية الطب الشخصي. ومع دخول عام ألفين وستة وعشرين، من المتوقع أن تشهد هذه الميزة توسعاً لتشمل التعاون مع شركات الأدوية لتتبع آثار الأدوية الجانبية بشكل لحظي، وتوفير دعم نفسي أولي يعتمد على بروتوكولات العلاج المعرفي السلوكي.

إن نجاح أوبن أيه آي في هذا الملف لا يتوقف فقط على قوة نموذجها اللغوي، بل على مدى قدرتها على إقناع المستخدمين والمنظمين بأن الممرض الرقمي المقيم في هواتفهم هو أمين على أسرارهم بقدر ما هو دقيق في نصائحه التقنية.